بل القرآن من أوله إلى آخره وكذلك السنة تدل على أن أفعال الباري جل وعلا مطلقًا الشرعية وغيرها تدل على أنها مرتبطة بالعلل المناسبة، والحِكَم التي تترتب على ذلك.
والنزاع فيه حينئذٍ يكون مصادمًا للنص، وليس مع من ادعى بأن أفعال الباري غير معلَّلة ولا رائحة دليل فضلًا عن أن يكون ثَم دليل.
وهذا كالشأن في الصفات، بل اسمه الحكيم يدل على صفة الحكمة وهي: وضع الشيء في محالِّها، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة، مطلقًا لا يخلو أمرٌ عن مصلحة البتة، ولا يخلو نهيٌ عن مصلحة من حيث دفع المفسدة.
وحينئذٍ نقول: كلها معلَّلة.
إذًا: قوله: (صَرِيحٌ) وهو ما وضع لإفادة التعليل .. نستفيد منه أن هذا اللفظ لا يُفهم منه إلا التعليل.
ثم هو موضوعٌ بالوضع العربي، ثم إذا وُجد في الكتاب دل على أن الباري تكلم بذلك وأراد لفظه ومعناه، وهو الذي علَّل أفعاله، فحينئذٍ تكون معتمدة خلافًا لما عليه أهل البدع من المخالفين في ذلك.
وأما نسبة هذا القول لبعض أهل السنة فهذا ينبغي أن يُحرَّر: ما المراد بأهل السنة؟ هل هو في عهد الصحابة، هل هو في كبار الأئمة أو لا؟ وحاشى أن يوجد أحدٌ من الصحابة يخالف في هذه المسألة.
وكذلك كبار أئمة السنة لم يُنقل عن واحدٍ منهم أنه خالف في هذه المسألة.
حينئذٍ ما ينسبه بعضهم إلى أن بعض أهل السنة نازع في ذلك، فيجعل المسألة خلافية بين أهل السنة. هذا فيه نظر، لا يسلَّم، بل الإجماع على ما هو ظاهر الكتاب والسنة في عهد الصحابة.
حينئذٍ أيُّ منازعٍ بعد عهد الصحابة فقوله مردودٌ عليه، فلا يُنسب لأهل السنة البتة، العقيدة وأصولها هو ما كان في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فليس لأحدٍ بعد ذلك عقيدة مختصة.
ولذلك إذا قيل: عقيدة الصابوني، أو قيل: عقيدة الإمام أحمد .. ليس المراد عقيدة مستقلة، وإنما هو طريقٌ في فهم ما جاء عن السلف.
ولذلك لا تُنسب إليه ابتداء وانتهاءً. وهذا مجمعٌ عليه .. لا إشكال فيه، وإنما نقول: عقيدة الإمام أحمد هي عقيدة الصحابة، حينئذٍ الالتفات حول الإمام أحمد كالالتفات حول الصحابة ولا فرْق.
فإن وُجد ما قد يكون عند الإمام أحمد ما يخالف فهم السلف في باب المعتقد، حينئذٍ لا يُجعل أصلًا ويلتف حوله ويُنظر فيه من جهة معتقده ونحو ذلك، وإنما يُرجع إلى الأصل.
وحينئذٍ النسبة لا يقال بأنها نسبةٌ استقلالًا بخلاف ما لو قلنا هو أشعري نسبة لأبي الحسن الأشعري؛ لأنه خالف، حينئذٍ إذا قال أنه أشعريٌ. نقول: أنت لم تنتسب إلى السلف الصالح، بخلاف من قال أنه حنبليٌ نسبة للإمام أحمد رحمه الله تعالى، فحينئذٍ وجدنا أن ما عليه الإمام أحمد موافقٌ لما عليه السلف الصالح، لكن وجدنا أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله تعالى -وإن كان رجع- أنه مخالفٌ لما عليه السلف.
فالذي ينتسب إلى الأشعري ليس كالذي ينتسب إلى الإمام أحمد، فبينهما كما بين السماء والأرض.
ثم هم يجعلون هذا المعتقد مخالف، ويدَّعون بأن ما عليه الخلف وهو التأويل أحسن من التفويض الذي هو عليه مذهب السلف. على زعمهم.