نعم القطع بحكم الأصل لا يُشترط بل يكفي الظن؛ لأن الأحكام الشرعية قد تكون قطعية وقد تكون ظنية، وإنما اشترط ذلك في مقام الرد على من اشترطه؛ لأن بعض الأصوليين اشترط أن يكون الحكم مقطوعًا به، نقول: لا. القياس هو ظني في الجملة، وقد يدخل الأحكام التي تكون ظنية لا قطعية.
(لا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ) {يَعْنِي أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الْعِلَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عَلَى الصَّحِيحِ} وهو كذلك.
{إذْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّهُ غَايَةُ الاجْتِهَادِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ الْعَمَلُ} .
ومن يفرِّق بين الظني والقطعي في مثل هذه المسائل هذه لوثة دخلت عليهم من التفريق بين ما أفاد الظن وما أفاد القطع، والمتواتر والآحاد، وقلنا هذه متى ما ثبت صحة السند إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو المُعْتَبر.
{وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ} وهو باطل.
(وَلَا بِوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ) .
يُشترط في صحة القياس أن تكون العلة موجودة في الفرع. هل يكفي الظن أنها موجودة أو لا بد أن نقطع يقينًا بأنها موجودة في الفرع؟ لا وإنما يكفي الظن، إذا ظننا وجود الإسكار في النبيذ كفى ولا نحتاج إلى القطعي.
{وَلا يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا أَيْ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ} وعليه الجمهور؛ لأنه من جملة مقدمات القياس، القياس ظني.
لأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ ظَنِّيًّا، فَلا يَضُرُّ كَوْنُ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا ظَنِّيًّا.
وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ وهو باطل.
إذًا: لا يُشترط القطع لا في الحكم -حكم الأصل- ولا في وجود العلة في الفرع بل يكفي الظن.
(وَلَا انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً) .
يعني: هل يُشترط في التعليل ألا يوجد مذهبٌ لصحابيٍ يخالف هذه العلة؟ لا يُشترط؛ لماذا؟ لأن قول الصحابي ليس بحجة.
قال: {وَلا يُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْضًا} يعني: في صحة التعليل (انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ) فإن وجد مذهب صحابيٍ يخالف التنصيص على هذه العلة حينئذٍ تعتبر هذه فاسدة، ولذلك قال: (إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً) فإن كان حجة .. ما هو مفهوم المخالفة هنا؟ إن كان حجة اشتُرط ذلك .. اشترط بصحة العلة ألا يُنقل عن صحابي أنه يخالف هذه العلة.
{عَلَى الصَّحِيحِ} عند المصنف.
{وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ} على قولٍ، يعني: قول الصحابي يُقدّم على القياس.
إذًا: إذا قيل بأن قول الصحابي حجة ونقل قولٌ مخالفٌ للعلة المستنبطة بطلت العلة، وإن قيل ليس بحجة فحينئذٍ لا يُشترط انتفاء مذهب الصحابي، فإن وُجد مذهب صحابي وقلنا بأنه حجة، حينئذٍ لا نعدِل إلى القياس.
كما لو وُجد نصٌ في الكتاب والسنة على الفرع ثم نعدل إلى القياس، نقول: هذا القياس باطل.