والرد معنًى من المعاني، فكيف يكون ركنًا وأركان الشيء أجزاءه؟ فالإطلاق على هذه الأمور مجاز. ولذلك قال هنا: {إِلاَّ أَنْ يُعْنَى بِالْقِيَاسِ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ الأَرْبَعَةِ مَعَ الْحَمْلِ تَغْلِيبًا فَتَصِيرُ الأَرْبَعَةُ شَطْرًا لِلْقِيَاسِ} لا شرطًا.
"شطر القياس"يعني بعض القياس. نجيب بجوابين:
الجواب الأول: أن نقول المراد بالأركان هنا مجازًا، وهو الذي قال أولًا: {فَتَكُونُ مَجَازًا} .
ثانيًا: أن يقال المرد بالقياس مجموع هذه الأمور الأربعة مع الحمل من باب التغليب؛ لأن الرد ليس ركنًا داخلًا حقيقة، فتصير حينئذٍ الأربعة الأركان هذه المذكورة شطر القياس، ومعلوم أن الشطر نصف القياس، وليست هذه الأربعة شرطًا، وإنما هي شطرٌ.
حينئذٍ على هذا المعنى يدخل معنى فعل المجتهد، فحينئذٍ الأصل لا بد من اعتبار فعل المجتهد؛ لأن هذه الأربعة الأشياء لولا فعل المجتهد لما كان لها اعتبار. حينئذٍ إذا قلنا القياس لا يتحقق إلا بأربعة أركان ونترك هذا المعنى الذي هو فعل المجتهد أخطأنا في التصوير.
وهذا الذي أراد المصنف أن يدندن حوله.
فإما أن نقول: هذه الأربعة مجازًا، وإما أن نقول: يُطلق القياس على مجموع هذه الأربعة مع الحمل الذي هو فعل المجتهد من باب التغليب.
حينئذٍ تكون هذه الأربعة شطر، والذي يقابلها حمل المجتهد .. فعل المجتهد، هذا أو ذاك فالكلام فيه شيءٌ من المجاز.
قال: {وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ} هذا باطل.
{فَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ خَلَطَ الاِجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ} لأن الاجتهاد لا يُشترط فيه أصل.
{وَالْحَقُّ أَنَّ الْقِيَاسَ نَوْعٌ مِنْ الاجْتِهَادِ} فكل قياس اجتهادٌ ولا عكس {وَاَلَّذِي لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ: هُوَ مَا سِوَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ الاِجْتِهَادِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ} .
لأن الفروع لا تتفرع إلا عن أصول.
ثم قال: يعني: يرد السؤال: لمَ كانت أركان القياس أربعة وأدخلناها في التعريف، لماذا لا تكون اثنين، لماذا لا تكون عشرة، لماذا حدَّدنا الأربعة على جهة التخصيص؟
أراد أن يجيب عن ذلك والكلام كله للطوفي في شرح البلبل.
قال: {ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ} يعني: ثَم ارتباط بين النوعين.
{رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ الْمُؤَلَّفِ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لأَنَّ قَوْلَنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ} وهذا قياسٌ شرعي.
هذا {مُخْتَصَرٌ} من قياس منطقي {مِنْ قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} .
{النَّبِيذُ مُسْكِرٌ} هذه مقدمة صغرى {وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} هذه مقدمة كبرى.
{وَلَيْسَ فِي الأَوَّلِ} وهو قوله: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ {زِيَادَةٌ عَلَى الثَّانِي} الذي هو: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ {إلاَّ ذِكْرُ الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ بِهِ وَالتَّأَنُّسِ} .