فهرس الكتاب

الصفحة 1373 من 1890

يعني: يَجُوزُ عَقْلًا لا شَرْعًا. التجويز العقلي، أما الشرع لا يجوز. وهذا نقول: لا ليس بصواب، بل هو جائزٌ عقلًا وشرعًا. بدليل قوله تعالى في سورة النجم (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) ) [النجم:3 - 4] فالكل وحيٌ، ولا فرق بينهما البتة.

والتفريق أن هذا متواتر وهذا آحاد هذا اصطلاحٌ، وهنا جاءت المشكلة التي دائمًا ننبه عليها: أن الاصطلاحات لا تقضي على الأدلة، فلا تُفهم أدلة الكتاب والسنة -يعني: النصوص- بهذه المصطلحات المتأخرة.

لم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقوالي منها متواترة ومنها آحاد فانتبهوا، المتواتر يفيد العلم فاعتقدوا مدلوله، والآحاد لا يفيد العلم فانتبهوا لا تنسخوا به القرآن. ما قال ذلك، ولم يُقَسِّم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا صحابته ولا نُقِل عنهم حرفٌ واحد بذلك، بل لم يفرقوا بين قولٍ وقولٍ ولا قولٍ وفعلٍ، ولا سكوتٍ .. ولا غيره، وإنما جعلوا الكل وحي وتشريع، فأخذوه مصدرًا من مصادر التشريع، والتفرقة هذه حادثة فلا يُلتفت إليها.

فانتبه لهذا، لا تنجر خلف الكثرة، الكثرة ليست دليلًا على الحق، وإنما الحق يُعرف بالدليل، الرجال يُعرَفون بالحق وليس الحق يُعرف بالكثرة.

ثم هذه الكتب جرت في كثيرٍ من تأصيلاتها على أمورٍ عقلية، فينظرون إلى دلالات العقل .. إلى آخره، ومن الشرع وغير ذلك.

قال: (وَعَقْلًا) يعني: يجوز عقلًا.

(لا شَرْعًا) نفاه، نحتاج إلى شرعًا.

إن كان يعني به .. ولا يعني به ذلك، لم يقع حينئذٍ نقول: لم يقع نسخ الآحاد من السنة بالمتواتر، والعكس من بابٍ أولى وأحرى، لكن الكلام في كونه جائزٌ شرعًا أم لا؟ والصواب أنه يجوز.

من وَجد مثالًا فنَسخ به وحينئذٍ يُجري هذه القاعدة معه، ولا يقولن بأن هذا آحاد وهذا متواتر.

قال: {وَيجوز عَقْلًا لا شَرْعًا نَسْخُ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ بِآحَادٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا} ولا إجماع؛ لأن التواتر والآحاد هذه حادثة، وعلم الصحابة متقدم ولم يقع عندهم تفريقٌ بين السنة البتة.

وفرَّقوا بينه وبين تخصيص العام بالمتواتر بالآحاد.

مر معنا أن الخاص والعام لا يُشترط فيه القوة والضعف، فالعام قد يكون في القرآن وهو متواتر، وقد يُخصَّص بالآحاد، لماذا فرَّقتم بينهما؟ قلتم لا يُنسخ بالآحاد ويخصَّص بالآحاد، ومع كون الآحاد من السنة والعام قد يكون القرآن أو من السنة المتواترة .. أليس بينهما فرقٌ، أليس هذا تشريع وهذا تشريع؟ لم فرَّقتم؟

قالوا: وفرقوا بينه وبين تخصيص العام المتواتر بالآحاد؛ أن التخصيص بيانٌ.

وجمعٌ بين الدليلين، والنسخ رفعٌ وإبطال، لكن نقول: إذا جاء الشرع بدليلٍ هو آحاد وبيّن وخصَّص العام وقبلناه لأنه شرعٌ، ما المانع أنه إذا جاء بنفسه وهو آحاد ودل على رفع الحكم الشرعي، لماذا نفصِّل؟

هذا التفريق عليل، وإنما أرادوا حجة لدفع هذا الأصل.

{قَالَ الطُّوفِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالظَّاهِرِيَّةُ: يَجُوزُ} أين الإجماع؟ ليس بإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت