فهرس الكتاب

الصفحة 1374 من 1890

{وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْبَاجِيُّ، وَلَكِنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: لا يَجُوزُ بَعْدَهُ إجْمَاعًا؛ لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ الآحَادَ بِالنَّاسِخِ إلَى أَطْرَافِ الْبِلادِ} .

الأصل أن النسخ لا يكون إلا في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما يحكم العلماء بكون هذا ناسخٌ لهذا، والحكم لا بد أن يكون متقدمًا كما هو الشأن في الإجماع أنه لا يكون إلا بعد وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

كذلك النسخ لا يكون إلا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه رفعُ حكمٍ بدليلٍ شرعي، الأول ثابت بدليل شرعي والثاني بدليل شرعي يعني: بوحيٍ. إذًا: لا يُتصور النسخ بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البتة، وإنما يحكم العلماء بكون هذه الآية منسوخة بكذا وهكذا.

قال: {وَيَجُوزُ أَيْضًا عَقْلًا لا شَرْعًا نَسْخُ قُرْآنٍ بِمُتَوَاتِرٍ} يعني: قرآن، ومر معنا أن القرآن عند المصنف لا يكون إلا متواتر، ومنه السبعة وزِيد عليه الثلاثة.

{بِمُتَوَاتِرٍ مِنْ السُّنَّةِ} هذا ممنوع لماذا؟ لأن السنة المتواترة أضعف من القرآن، وهذا كما ذكرنا باطل.

لأن هذه كلها مبنية على اصطلاحات، والاصطلاحات لا تعود على الأصول بإبطالها، فالشرع كله واحدٌ ولا فرْق بينهما.

نعم إذا حصل تعارض ولم يمكن الجمع بين الدليلين إلا بالنظر إلى الكثرة، فحينئذٍ لا شك باعتبارها.

وفرْقٌ بين أن نجعل هذه أصولًا وقواعد مطردة، وبين أن نجعلها مرجِّحًا من المُرجِّحات. فرقٌ أن نقول: القاعدة: الآحاد لا ينسخ المتواتر، وبين أن نقول: ثَم فرقٌ بين المتواتر والآحاد وإنما يصار إليه عند الترجيح، ويكون غيره مقدَّمًا عليه ولا إشكال فيه كما بيناه مرارًا.

إذًا قوله: (وَقُرْآنٍ بِمُتَوَاتِرٍ) يعني: يجوز عقلًا لا شرعًا، والصواب أنه يجوز ذلك في الشرع كما أنه جاز في العقل.

قال رحمه الله تعالى: (وَيُعْتَبَرُ تَأَخُّرُ نَاسِخٍ) {عَنْ مَنْسُوخٍ} هذا شرط من شروط تحقق النسخ.

{وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ النَّسْخِ تَأَخُّرُ نَاسِخٍ عَنْ مَنْسُوخٍ، وَإِلاَّ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ اسْمُ نَاسِخٍ} بل لم يصدق عليه حد النسخ أصلًا.

ثم قال: (وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ) يعني: {مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ} عن المنسوخ، كيف نعرف؟ هذا لا بد من الرجوع إلى علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهم الذين نقلوا إلينا هذه الوقائع، وبيَّنوا أن هذا سابق وهذا سابق.

لكن ثَم استنباطات أخرى يمكن النظر فيها.

قال: {وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ مِنْ وُجُوهٍ} يعني: معرفة تأخر الناسخ.

{أَحَدُهَا: الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِهَذَا} إذا أجمعت الأمة إجماعًا صحيحًا، وقلنا فيما سبق أن الإجماع إنما يُعتبر في زمن الصحابة، فإذا أجمع الصحابة على أن هذا منسوخٌ ولم يبيِّنوا الناسخ قلنا: هذا الإجماع متضمن للناسخ .. دالٌ عليه؛ لأن الإجماع بنفسه لا ينسخ؛ لأنه يكون بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت