إذًا: إطلاقه على الباري جل وعلا الناسخ هو حقيقة، إطلاقه على الطريق المعرِّفة هذا إطلاقٌ حقيقي، إطلاقه على الإجماع مجازٌ، إطلاقه على من يعتقد جواز ذلك هذا يعتبر مجازًا. أربعة إطلاقات.
لكن الحكم هنا المراد به واضحٌ بيِّن؛ أن الناسخ الذي يرفع الحكم حقيقة هو الباري جل وعلا وليس هو النص؛ لأن النص هو كلام الباري جل وعلا.
{فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ لا فِيهِ تَعَالَى} .
يعني: الآية هي الناسخة وليس الله عز وجل، والحديث هو الناسخ وليس الله عز وجل. وهذا باطل، لماذا؟ يرُده شيءٌ واحد وهو أن النسخ رفعُ حكم بحكم، والحكم إنما يكون للباري جل وعلا وهذا محل وفاقٍ قبل وجود المعتزلة.
{وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: حَقِيقَةٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى مَجَازٌ فِي الطَّرِيقِ. وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ} .
قال: (وَالْمَنْسُوخُ: الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ بِنَاسِخٍ) .
عرفنا عندنا ناسخ وعندنا نسخٌ، الناسخ هو الباري جل وعلا، وعندنا نسخٌ وهو رفع حكمٍ إلى آخره.
وعندنا منسوخ وهو .. قال: (وَالْمَنْسُوخُ: الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ بِنَاسِخٍ) {كَالْمُرْتَفِعِ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
وهذا تَكرار لما سبق، لأنه معلوم من الحد أن المنسوخ رفعُ حكمٍ بحكمٍ. إذًا: دل على أن الحكم المرتفع هو الذي يُعتبر منسوخًا.
قال: (وَلَا يَكُونُ النَّاسِخُ أَضْعَفَ) هذا من شروط النسخ، وهو المساواة أو القوة.
يعني مرادهم بهذه المسألة: أن القرآن لا يُنسَخ بالآحاد.
حينئذٍ لا يُنسخ الأقوى بالأضعف وإنما بالمساوي: قرآن بقرآن، سنة متواترة بسنة متواترة.
الأقوى ينسخ الأضعف: القرآن والسنة المتواترة تنسخ الآحاد، القرآن ينسخ المتواتر.
أما العكس: في كون خبر الآحاد ينسخ القرآن فهذا كثيرٌ أو الجمهور على المنع، والصواب أنه يجوز، هو لا وجود له لكن الكلام في الجواز العقلي هل هذا يصح أن يكون أصلًا شرعيًا أو لا؟ نقول: نعم، الصواب أن كل ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو دليلٌ شرعي، فكما أنه جاز إثبات الأحكام الشرعية به كذلك جاز رفع الأحكام الشرعية به، لكن بالشروط التي تتحقق في باب النسخ (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) ) [النجم:3 - 4] .
حينئذٍ خبر الآحاد ينسخ القرآن على الصحيح.
قال هنا: (وَلَا يَكُونُ النَّاسِخُ أَضْعَفَ) {يَعْنِي مِنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالأَكْثَرِ} .
وهذا يذكرونه من شروط النسخ: أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله، لا أضعف منه.
{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: يُشْتَرَطُ فِي النَّاسِخِ عِنْدَ الأَكْثَرِ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَصْحَابِنَا} .
قال في التمهيد: اشترطه أصحابنا لنسخ قرآن بآحاد، لم يذكرها المصنف هنا .. تركها، وهي في الأصل.