إذًا: يُشترط فيه المعنى واللفظ، أما باب الصفات فهذه أوسع؛ لأن الذي يدل على الصفة: إما المصدر وليس بمشتق (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ) )هذا مصدر، ثبتت به الصفة؟ نعم ثبتت به الصفة.
(( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) )بَطْشَ هذا مصدر، ثبتت به الصفة؟ نعم ثبتت.
هذا مصدر .. هذا الأول: أنه تؤخذ من المصادر وهي جامدة.
ثانيًا: تؤخذ الصفات من الأفعال: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )اسْتَوَى هذا فعل، هل نُخبر عن الباري جل وعلا بأنه مستوٍ؟ الجواب: نعم. فنُخبر عنه بأنه مستوٍ.
هل يسمى الباري فنقول: المستوي؟ الجواب: لا.
إذًا: لا نأخذ من الأفعال أسماء، ونأخذ منها صفات.
النوع الثالث مما هو مصدر للصفات: الأسماء. فالعليم اسمٌ دل على صفة العلم.
حينئذٍ (( مَا نَنْسَخْ ) )هذا فعلٌ، هل نشتق منه اسمًا؟ الجواب: لا. فلا نقول: الناسخ، لكن هل نُخبر عنه بالناسخ؟ نعم .. من باب الإخبار، لكن باب الإخبار نوعان:
منه ما جاء له أصلٌ في الكتاب مثل هذا الذي معنا.
ومثل (( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ ) )إذًا: أتقن وصُنْعَ.
هل يصح أن يُخبَر عنه بالصانع؟ نعم؛ لوجود أصله.
هل يُخبَر عنه بالمتقِن؟ نعم؛ لوجود أصله.
لكن القديم: هل له أصل في الكتاب والسنة؟ لا، هذا الأصل فيه المنع، لكن جوَّزه ابن تيمية وابن القيم بناءً على أنه من قبيل الإخبار، لكن الأصل -والله أعلم- أن فيه المنع.
ما لم يرد له أصلٌ في الكتاب والسنة فحينئذٍ نقول: الأصل فيه المنع، ما جاء له أصل فحينئذٍ نقول: هذا لا بأس به.
فـ: (( نَنْسَخْ ) )هنا قال المصنف: (النَّاسِخُ) جاء بأل من باب الإخبار. ولا يكون اسمًا، فيوصف الباري جل وعلا بما دل عليه الفعل، ويُخبر عنه بالمصدر ونحوه، لكن لا يشتق له منه اسمٌ البتة.
قال هنا: (وَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَةً) .
قال ابن قاضي الجبل وغيره: الناسخ يطلق على الله سبحانه وتعالى يقال: نسخ فهو ناسخ، قال الله تعالى: (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ) ) [البقرة:106] الآية.
{وَيُطْلَقُ} أيضًا إطلاقًا آخر {عَلَى الطَّرِيقِ الْمُعَرِّفَةِ لارْتِفَاعِ الْحُكْمِ} يعني: الآية {وَخَبَرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ. وَالإِجْمَاعِ عَلَى الْحُكْمِ} وهذا لعله جعَله ثالثًا؛ لأنه ذكر أنها أربعة.
{كَقَوْلِنَا: وُجُوبُ صَوْمِ رَمَضَانَ نَسَخَ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ} على أنه إجماع.
الرابع: {عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ} بقلبه {نَسْخَ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ بِالسُّنَّةِ} يعني يقول بذلك ويعتقد به .. لا إشكال فيه {أَيْ: يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَهُوَ نَاسِخٌ} .
{وَالاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ إطْلاقَهُ عَلَى الأَخِيرَيْنِ} وهما: الإجماع ومن يعتقد نسخ الحكم.
{مَجَازٌ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الأَوَّلَيْنِ} جعلها أربعًا، ولذلك لا بد من أن تكون أربعًا، وإلا ظاهر صنيعه أن الإجماع داخلٌ في الطريق المعرِّفة .. الظاهر أنها ثلاثة وليست بأربعة، لكن لا بد من التفصيل على ما ذُكر ليأتي ما ذكَره أخيرًا.