{فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالصَّلاةِ فِي الأَحْكَامِ} فتكون مجازًا {وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلاةٌ لُغَةً؛ لأَنَّ مَعْنَاهَا لُغَةً: الدُّعَاءُ, فَسُمِّيَ صَلاةً، لِمَا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ} .
إذًا: احتمل معنيين: أحدهما لغوي وهو الدعاء، والثاني شرعي، وليس المراد عين الصلاة وإنما ما يترتب على الصلاة. يعني: بعض أحكام الصلاة كالطهارة، والسُّترة .. ونحوها.
{فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: يُحْمَلُ عَلَى الْمَحْمَلِ الشَّرْعِيِّ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ لِتَعْرِيفِ الأَحْكَامِ لاَ اللُّغَةِ, وَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى} .
يعني: اللفظ المتردد بين: له مسمى شرعي وله مسمى لغوي، إذا تردد بين الأمرين حُمل على المعنى الشرعي، وهذا مر معنا لكن المصنف أعاده.
قال: {وَأَيْضًا لَيْسَ فِي الطَّوَافِ حَقِيقَةً الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ} يتعذّر حمله على الشرعي حقيقة، ولم يمكن الرد إليه إلا بتجوُّز {فَكَانَ مَجَازًا} .
يعني: رددناه إلى حكم الصلاة ليس إلى ذات الصلاة؛ لأنه ليس فيه استقبال القبلة، وليس فيه قراءة فاتحة ولا ركوع ولا سجود .. انتفت الصلاة من أصلها، حينئذٍ ماذا أراد به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أراد به حكم الصلاة، ولا شك أن حكم الصلاة حقيقة وليس مجاز، لكن لما أُطلق هنا الصلاة الشرعية وأراد بها حكمها حمله المصنف على أنه مجاز، وإلا الأصل أنه ليس بمجاز.
وَالْمُرَادُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّلاةِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنِّيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُهُ صَلاةً فِي الْحُكْمِ إلاَّ مَا اُسْتُثْنِيَ.
وَلأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيُّ لِلَّفْظِ حَقِيقَةً رُدَّ إلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ؛ مُحَافَظَةً عَلَى الشَّرْعِيِّ مَا أَمْكَنَ.
يعني: إما الصلاة وإما حكم الصلاة، وكلاهما حقيقتان شرعيتان، لكن الأصل في إطلاق الصلاة في الشرع هو الصلاة بعينها، وإذا فُسِّرت بالحكم هذا مجاز في الشرعي، وفيه سَعة في تسميته مجاز، لكن الأولى أن يكون حقيقة.
لكن هذا النص لم يصح مرفوعًا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما هو موقوفٌ على ابن عباس.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ وَالْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ.
أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، تَقْدِيمًا لِلْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ وهذا ليس بصحيح، بل الصواب: أنه متى ما ثبت الحقيقة الشرعية فهي مقدَّمة مطلقًا دون استثناء ولا تفصيل.
قال: (أَوْلَهُ حَقِيقَةٌ لُغَةً وَشَرْعًا، فَلِلشَّرْعِيِّ) .