يعني: لها جهتان: هي لها جهة معقولية المعنى من حيث مشروعيتُها فقط، وهذا الذي يذكره الفقهاء. يعني: لماذا وجبت الزكاة؟ مواساة للفقراء .. إلى آخره، وأما أنواع الزكاة والمخرج وقدره .. إلى آخره نقول: هذا غير مدرك، فيما سقت السماء العشر، لماذا العشر؟ هذا كالصلاة أربع ركعات الظهر والعصر أربع ركعات، لا فرق بينهما.
إذًا: فيه تعبد أو لا؟ فيه تعبد، ثم ما ذكرناه سابقًا.
فَلِذَلِكَ اعْتَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِ الْمُبَايَعَاتِ الْفَاسِدَةِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
بِخِلافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَنِ فِيهَا بِبَيَانِ مَا لا زَكَاةَ فِيهِ وإنما اعتنى بما فيه زكاة، وهذا هو الأصل.
{فَمَنْ ادَّعَى وُجُوبَهَا فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ -كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ- فَقَدْ ادَّعَى حُكْمًا عَلَى خِلافِ الدَّلِيلِ} .
إذًا: قول المصنف هنا: وَلَا إجمال فِي (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) )ثَم خلافٌ بين أهل العلم: هل البيع مُجمَل أو عامٌ؟ الصواب: أنه عام، حينئذٍ يشمل البيوع الجائزة والمحرمة في أصلها، فإذا أحل الله البيع فالأصل في كل بيعٍ هو الحل، فمن أخرج نوعًا حينئذٍ يحتاج إلى دليل، فهو عامٌ خصصته السنة، يعني: البيع من حيث هو عامٌ خصصته السنة، ولا نقول مُجمل وبينته السنة.
قال هنا: {وَأَمَّا تَرَدُّدُ الشَّافِعِيِّ فِي آيَةِ الْبَيْعِ: هَلْ الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُبَيِّنُ لَهَا الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ، دُونَ الزَّكَاةِ؟ فَلأَنَّهُ تَعَالَى عَقَّبَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( وَحَرَّمَ الرِّبَا ) )} وَالرِّبَا هذا استثناء، وهو نوع من أنواع البيع {مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ اللُّغَوِيَّةِ, وَلَمْ يُعَقِّبْ آيَةَ الزَّكَاةِ بِشَيْءٍ} .
يعني: حصل التردد عند الشافعي لما قال تعالى: (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ) [البقرة:275] لو وقف إلى هنا لا إشكال عند الشافعي، لكن لما قال: (( وَحَرَّمَ الرِّبَا ) )فالربا حينئذٍ نوعٌ من أنواع البيوع فاستثناء، هل هو معلوم هنا تفاصيل الربا؟ غير معلوم بهذا النص.
حينئذٍ لما استثنى نوعًا من البيع غير معلوم صيّره مُجملًا، على ما مضى من القاعدة: أن الاستثناء أو التخصيص المجهولين يُصيّر العام مجهولًا، ولذلك حصل تردد عند الشافعي.
قال: (وَلَا فِي ) .
{وَلاَ إِجْمَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } لا صَلاةَ يعني: صحيحة، وليس المراد لا صلاة موجودة .. نفيًا للحقيقة يعني: الإمكان، وإنما المراد الصحة.
كَلا صَلاةَ إلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ، لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ.
وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ نَفْيُ ذَوَاتٍ وَاقِعَةٍ: تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ فِيهَا عَلَى إضْمَارِ شَيْءٍ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْمَلَةً.