كما أنه يحصل به التخصيص كذلك يحصل به صرف اللفظ الظاهر عن دلالته الراجحة إلى المعنى المرجوح.
(وَيُصْرَفُ بِهِ) {أَيْ بِالْقِيَاسِ} .
(ظَاهِرٌ) {مَعْنًى ظَاهِرٌ} .
(غَيْرُ عَامٍّ) {مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ، هُوَ فِي أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ وَفِي الآخَرِ مَرْجُوحٌ} .
(إلَى احْتِمَالٍ مَرْجُوحٍ) {أَيْ: إلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَرْجُوحٌ لِكَوْنِ اللَّفْظِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فِيهِ لأَجْلِ مُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ} .
يعني: هنا استطرد كما استطرد فيما يتعلق بالإجماع السابق، فقال: كما أن القياس يُخص به، كذلك يُقيد به اللفظ الظاهر فيُحمل على المرجوح دون الراجح. وهذا أمره أسهل.
قال: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا ظَنِّيَّةٌ) ليست قطعية، وإنما هي مما يحصل فيها النزاع.
(وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا) وَهِيَ صَرْفُ الظَّاهِرِ إلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ (ظَنِّيَّةٌ) لأَنَّ أَدِلَّتَهَا ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ, فَتَكُونَ مِنْ ظَاهِرِ بَابِ الظُّنُونِ.
وَخَالَفَ الْبَاقِلاَّنِيُّ، لِلْقَطْعِ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ الرَّاجِحِ.
قال رحمه الله تعالى: (وَفِعْلُ الْفَرِيقَيْنِ) يعني: من الصحابة؛ لأنه لا يتصور أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقر شيئًا إلا في زمن الصحابة.
(وَفِعْلِ الْفَرِيقَيْنِ) أي: {مِنْ الصَّحَابَةِ}
(إذْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) {إذْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الأَحْزَابِ وَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ} .. (إِذْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ>>) هذا اللفظ محتمل.
(يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَعَدَمِهِ) .
وهذا ليس فيه قياس .. نأتي على كلامه.
{فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ فِي الطَّرِيقِ فِي الْوَقْتِ، وَطَائِفَةً صَلَّتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ الْوَقْتِ: لَمْ يَعِبْ طَائِفَةً مِنْهُمَا} .
وإنما لم يعب أخذًا بالأصل أو بصارف؟ ما هو الأصل؟
الأصل: إيقاع الصلاة بين وقتيها .. هذا الأصل فيه، حينئذٍ من أخذ بهذا وجعل هذا حافزًا عمِل بالأصل، ومن جعل هذا مغيرًا للأصل حينئذٍ جعله متعلَّقًا للحكم. أين القياس؟ لا وجود للقياس هنا، وإنما هو اجتهادٌ في إعمال الأصل وعدمه، ليس في القياس، لا يوجد عندنا قياس.
الأصل -قبل هذا النص-: إيقاع الصلاة في وقتها المحدد لها شرعًا. هذا الأصل فيه.
فجاء ظاهرٌ محتمِلٌ لظاهره أنه لو خرج الوقت يصلي بعد خروج الوقت، أو يحتمل أنه من باب التحفيز والحث. ففهم بعضهم أنه من باب التحفيز وأخذ بالأصل، وفهم بعضهم أنه مقدمٌ على الأصل. فحينئذٍ صار محل اجتهاد، فأقر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطائفتين.