فهرس الكتاب

الصفحة 1116 من 1890

كما هو الشأن في قوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ) {عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ} (حَيْثُ لاَ قَرِينَةَ تَخُصُّهُمْ) أي: أمة محمد {نَحْوُ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) )لأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالاسْتِجَابَةِ} .

إذًا: هذه الخطابات ليست خاصة بهذه الأمة، بل تشمل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكل ما قيل: يا أيها الناس اتقوا الله. دخل فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إلا بدليل.

إذا كان الدليل يدل على أن الخطاب وُجه للأمة خاصة فلا يشمل الأمة، مثّل لذلك بقوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) )حينئذٍ قال: هذا خاصٌ بالأمة لأنهم مأمورون بالاستجابة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يستجيب لنفسه.

{وَقِيلَ: يَعُمُّهُ خِطَابُ الْقُرْآنِ دُونَ خِطَابِ السُّنَّةِ} . تفريق بلا دليل.

{وَقِيلَ: لاَ يَعُمُّهُ خِطَابُ الْقُرْآنِ وَلا خِطَابُ السُّنَّةِ لِقَرِينَةِ الْمُشَافَهَةِ؛ وَلأَنَّ الْمُبَلِّغَ غَيْرُ الْمُبَلَّغِ, وَالآمِرَ وَالنَّاهِيَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، فَلا يَكُونُ دَاخِلًا} .

والصواب أنه داخل سواء كان آمرًا أو ناهيًا، وكونه آمرًا ليس من جهة نفسه وإنما هو ناقلٌ، وإنما هو مبلغٌ.

وكذلك كونه ناهيًا إنما هو جهة التبليغ من الباري جل وعلا.

{رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْعِبَادِ، وَهُوَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُبَلِّغٌ لِلْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الآمِرُ وَالنَّاهِي} .

لأنه يرِد: إذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: افعل كذا، فدخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. هل يأمر نفسه؟ هذا محال.

لماذا؟

لأن الأمر .. ما هو الأمر؟ قولٌ دالٌ على طلب فعلٍ على جهة الاستعلاء. كيف يكون هو مستعلًا عليه وهو مستعلٍ؟ إذًا: لا يتحقق فيه الأمر، وكذلك النهي: لا بد أن يكون فيه على جهة الاستعلاء، فكيف هو مستعلًا عليه وهو مستعلٍ في شخصٍ واحد في لفظ واحد؟

قالوا: هذا محال، نقول: لا، هو لم يأمر نفسه، وإنما هو مأمورٌ أن يبلّغ الأمة بأمر الله عز وجل فدخل في أمر الله عز وجل، وهو مأمورٌ أن يبلغ الأمة بنهي الله عز وجل وهو داخلٌ في نهي الله عز وجل. هذا واضحٌ بيّن ولا إشكال فيه.

فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الآمِرُ وَالنَّاهِي، وَجِبْرِيلَ هُوَ الْمُبَلِّغُ لَهُ، وَلا يُنَافِي كَوْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَاطِبًا مُخَاطَبًا، وَمُبَلِّغًا وَمُبَلَّغًا بِاعْتِبَارَيْنِ.

وَرُبَّمَا اعْتَلَّ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ خَصَائِصُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ لِخُصُوصِيَّتِهِ، بِخِلافِ الأَمْرِ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ النَّاسَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت