الْقَائِلُونَ بِعُمُومِ دُخُولِ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ فِي لَفْظِ النَّاسِ وَنَحْوِهِ هم قائلون بالدخول {إنْ زَعَمُوا أَنَّهُ لا يَتَنَاوَلُهُمْ لُغَةً فَمُكَابَرَةٌ} الكلام غير مستقيم.
القائلون بعدم دخول العبيد والكفار في لفظ الناس {إِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ لا يَتَنَاوَلُهُمْ لُغَةً فَمُكَابَرَةٌ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ أَخْرَجَهُمْ شَرْعًا فَبَاطِلٌ} .
إذًا: هم داخلون.
قال: (وَكُفَّارٌ وَجِنٌّ فِي النَّاسِ وَنَحْوِهِ) .
يعني: {وَيَدْخُلُ الَّذِينَ هُمْ كُفَّارٌ} . ومر معنا أن كل لفظٍ خوطب به المؤمن فالكافر داخلٌ فيه، وعلى جهة الخصوص (( يَا بَنِي آدَمَ ) ) [الأعراف:26] هذا خطابٌ للمؤمن والكافر، بل كل من كان من هذا الجنس.
كذلك لفظ الناس هذا عام، وإنما وقع الخلاف في (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ) [البقرة:104] والصواب: أنه يعم الكافر كذلك، وإنما ذُكر المؤمن لأنه هو الذي يمتثل.
كما قال تعالى: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة:2] هو ليس خاصًا بالمتقين بل هو عام يشمل الكفار والمؤمنين، لكن ذُكر المتقون لأنهم هم أهل الامتثال.
إذًا: (وَ) يدخل (كُفَّارٌ وَجِنٌّ فِي النَّاسِ وَنَحْوِهِ) مِثْلَ (( أُولِي الأَلْبَابِ ) )فِي الأَصَحِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لُغَةً, وَبِهِ قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ؛ إذْ لاَ مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
أَمَّا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ، أَوْ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُرَادُ، لا الْمُؤْمِنُونَ: عُمِلَ بِهَا، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) )لأَنَّ الأَوَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ: إِمَّا نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيُّ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، أَوْ أَرْبَعَةٌ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ. وَالثَّانِي: لِكُفَّارِ مَكَّةَ.
يعني: جاءت قرينة تدل على أن الناس -الأول- لا يشمل الكافر، والثاني لا يشمل المؤمن. نقول: هذا لدليل وإلا الأصل الشمول.
{لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: بِأَنَّ اللاَّمَ فِي ذَلِكَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَالْكَلامُ فِي الاسْتِغْرَاقِيَّةِ}
هذا إن حُملت أل للاستغراقية، وأما إذا حُملت للعهدية فحينئذٍ لا إشكال فيه.
{وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) )الْمُرَادُ الْكُفَّارُ بِدَلِيلِ بَاقِي الآيَةِ, نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَجَعَلَهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ} مجاز {الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ} ليس العام المخصوص.
{فَقَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَلا تَكُونُ أَلْ فِيهَا عَهْدِيَّةً} .
يعني: الآية السابقة (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ) ) [آل عمران:173] .
قال هنا: (وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ يَشْمَلُ الْأُمَّةَ) .