لو قال: (( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ ) ) [العصر:2 - 3] الإنسان لفظٌ عام، في الأصل .. المعنى اللغوي موضوعٌ لجميع آحاده وأفراده، لكن أنت أخرجت بعض الأفراد، حينئذٍ استُعمل في بعض ما وُضع له، هل هذا معنى مجازي أو حقيقي؟
قال: (حَقِيقَةً) .
(الْعَامِّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ) بعد إخراج بعض أفراده (حَقِيقَةً) .
فِيمَا لَمْ, يَخُصَّ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا, وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ؛ وَذَلِكَ لأَنَّ الْعَامَّ فِي تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ مُطَابِقَةٍ لأَفْرَادِ مَدْلُولِهِ وهذا الأصل فيه.
{فَسَقَطَ بِالتَّخْصِيصِ طِبْقَ مَا خُصِّصَ بِهِ مِنْ الْمَعْنَى, فَالْبَاقِي مِنْهَا وَمِنْ الْمَدْلُولِ مُتَطَابِقَانِ تَقْدِيرًا} أما حقيقة فلا؛ لأن اللفظ إنما عُني به جميع الأفراد، وحينئذٍ إذا استُعمل بعد المخصِّص لم يُرد به جميع الأفراد، لكن نقول: الأفراد داخلة من حيث اللفظ؛ لأن الاعتبار هنا أو النظر من جهتين: أولًا: من جهة اللفظ. فهو معنى لغوي، لفظ الإنسان والرجال إلى آخره.
يأتي السؤال: قبل التخصيص هل هذا اللفظ يتناول الأفراد التي خرجت أو لا؟
يتناولها. إذًا: بهذا الاعتبار نحكم عليه بأنه حقيقية، كونه جاء مخصصًا هذا باعتبار الحكم المرتب على اللفظ العام، ولذلك نقول: هو يتناول الأفراد باعتبار اللفظ لا يتناوله باعتبار الحكم.
(( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) ) [العصر:2 - 3] الإنسان له أفرادٌ، دل اللفظ على أنه مستغرقٌ لجميع الأفراد، وهذا أصل العموم.
اللفظ قبل التخصيص وبعد التخصيص يدل على أفراده، لكن جاء الحكم مستثنِيًا لبعض الأفراد، فبعض الأفراد خرج من الحكم الذي رُتِّب على الإنسان لا من الإنسان نفسه. ففرقٌ بين النوعين، هذا المراد هنا.
قال هنا: {فَالْبَاقِي مِنْهَا وَمِنْ الْمَدْلُولِ مُتَطَابِقَانِ تَقْدِيرًا، فَلاَ اسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، فَلاَ مَجَازَ، فَالتَّنَاوُلُ بَاقٍ} .
نعم، هو متناولًا قبل التخصيص وبعد التخصيص، لكن خرج التناول بالحكم فقط -لم يتناول الحكم-، وأما اللفظ فهو متناول له قطعًا.
{فَكَانَ حَقِيقَةً قَبْلَهُ، فَكَذَا بَعْدَهُ} .
وهذا هو الصحيح: أنه حقيقة في الباقي.
{وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّةِ: يَكُونُ مَجَازًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ} لأنه لفظ استعمل في غير ما وضع له، وليس الأمر كذلك، بل الصواب: أنه حقيقة في الباري.
قال: (وَهُوَ حُجَّةٌ إِنْ خُصَّ بِمُبَيِّنٍ) .
يعني: إذا استُعمل اللفظ مرادًا به الباقي، بعد الإخراج: هل يُعتبر حجة فيما بقي؟ نقول: نعم ولا ينبغي أن يكون فيه نزاع، وخاصة على قاعدة: أنه ما من عامٍ إلا وقد خُصَّ، ومع ذلك الصحابة قد أجمعوا على الاستدلال باللفظ العام قبل التخصيص وبعد التخصيص، ولا ينبغي أن يقع نزاع في كون اللفظ دالًا على الباقي بعد التخصيص: هل هو حجة فيه أم لا؟ لا ينبغي النزاع في ذلك.
قال: (وَهُوَ) {أَيْ الْعَامُّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ} .