هنا قال: الاستثناء معيار العموم، حينئذٍ يلزم من ذلك أن تستثني العدد، وإلا لما صح استثناء. جملته جيدة وعبارته جيدة، لكن لما قال: معيار. هنا جاء الإيراد.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ مِعْيَارَ الشَّيْءِ مَا يَسَعُهُ وَحْدَهُ -دون غيره- فَإِذَا وَسِعَ غَيْرَهُ مَعَهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِعْيَارَهُ فَاللَّفْظُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الاسْتِثْنَاءِ بِالْعُمُومِ} .
حينئذٍ كلامه في محله -ابن السبكي- والإيراد إنما في جعله معيارًا فحسب.
قال رحمه الله تعالى: (فَائِدَةٌ: سَائِرُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى بَاقِيهِ) .
سائر هذه اختُلف فيها هل هي من صيغ العموم أو لا؟
هذا بناء على تفسيرها، من فسّرها بأنها بمعنى الجميع جعلها من صيغ العموم، ومن جعلها بمعنى باقي حينئذٍ ليست من العموم.
وذلك قال: (سَائِرُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى بَاقِيهِ) .
ويلزم عليه أنها ليست من صيغ العموم.
وَهَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَذَلِكَ لأَنَّهَا مِنْ أَسْأَرَ بِمَعْنَى أَبْقَى، فَهُوَ مِنْ السُّؤْرِ، وَهُوَ الْبَقِيَّةُ، فَلا يَعُمُّ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، لأَنَّهَا مِنْ سُوَرِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِهَا. وَغَلَّطُوهُ يعني: غلّطوا الجوهري.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ فِي شَرْحِ سِيبَوَيْهِ، وَالْجَوَالِيقِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكَاتِبِ، وَابْنُ بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَوْرَدُوا لَهُ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً} .
يعني: يأتي سائر بمعنى الجميع، حينئذٍ سائر قد تكون من صيغ العموم وقد لا تكون، باعتبار تفسيرها.
فإن فُسِّرت بمعنى الجميع وأراد بها المتكلم فهي من صيغ العموم. يعني بمنزلة: كافة، وعامة، وقاطبة الماضية.
وَمِمَّنْ عَدَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي التَّقْرِيبِ، وَغَيْرِهِ.
لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: لا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَهُوَ لِلْعُمُومِ الْمُطْلَقِ. وَالْعُمُومُ الْبَاقِي بِحَسَبِ الاسْتِعْمَالِ.
لكن هذا فيه نظر، والصواب أن يقال: بأن سائر إذا فُسِّرت بمعنى الجميع فهي صيغة عموم، وإن فُسِّرت بمعنى باقي فهي خاصة .. ليست من العموم.
قال رحمه الله تعالى: (فَصْلُ الْعَامِّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ حَقِيقَةً) .
يعني: العام الذي يدخله الخصوص، قَبْل دخول الخصوص عليه: اللفظ مراد به جميع أفراده .. المعنى الذي وُضِع له اللفظ هو جميع أفراده، ولذلك نقول: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح أن يدخل تحته.
حينئذٍ الرجال، فإذا صدق اللفظ على جميع مدلوله لا شك أنه حقيقة؛ لأنه لفظٌ وضع لمعنى فاستعمل فيه، لكن لو أُخرج منه بعضه حينئذٍ أُريد باللفظ بعض مدلوله، هل هذا حقيقة -استعماله في بعض المدلول-، أم أنه مجاز؟ هذا محل خلاف.
ولذلك قال: (الْعَامِّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ) يعني: التخصيص ما هو؟ قصر العام على بعض أفراده.