قال: (صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ) يعني: الإخراج منه. فإن صح الإخراج فحينئذٍ فاحكم عليه بأن المستثنى منه لفظٌ عام، وإن لم يصح الإخراج فحينئذٍ لا يكون عامًا بل يكون خاصًا.
لكن قال: (مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ) لأنه يقال: له عليّ عشرة إلا ثلاثة، استُثني أو لا؟ استثني.
والعشرة ليست بعامة عند الجمهور؛ لأنها ليست مستغرقة بلا حصر، والعام إنما يكون مستغرقًا بلا حصرٍ، والعشرة بحصرٍ. إذًا: لا يكون من العموم.
قبِل الاستثناء لا يجعله عامًا، وإنما هو خاصٌ به، وسيأتي كلام السبكي.
(وَمِعْيَارُ الْعُمُومِ: صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ) الاستثناء المراد به: الاستثناء المتصل .. هذا الأصل فيه، وأما المنقطع فهذا قد يكون وقد لا يكون.
{يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ بِقَبُولِهِ الاسْتِثْنَاءَ مِنْهُ} عندما يقول النحاة: الاسم من علامته أل. هل بالفعل تُدخل أل لتعرف علامة أو بالقوة؟ المراد بالقوة، كل ما جُعل علامة على شيء فإنما أُريد بالقوة ولم يُرد به بالفعل.
يعني: إذا مر بك لفظ الإنسان تحكم عليه بأنه عام، ولا يُشترط في الحكم عليه بأنه عام أن تُدخل عليه إلا، فتقول: الإنسان إلا كذا. قد لا يأتي لك نصٌ أن تريد تستثني من الإنسان، لكنه عام لأنه يقبل الاستثناء.
إذًا: قبول الاستثناء، ولذلك قال: {يُسْتَدَلُّ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ بِقَبُولِهِ} .. بكونه يقبل، والشيء إذا قبل الشيء لا يلزم أن يُدخل عليه بالفعل، وإنما المراد به بالقوة.
وكل علامة ذكرها النحاة للاسم فالمراد بها بالقوة، وكل علامة ذكرها النحاة للفعل فإنما المراد بها بالقوة لا بالفعل.
{بِقَبُولِهِ الاسْتِثْنَاءَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجٌ مَا لَوْلاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ} هذا على المشهور، وسيأتي نقضه.
{فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ كُلُّ الأَفْرَادِ وَاجِبَةَ الانْدِرَاجِ} يعني: في المستثنى منه.
{وَهَذَا مَعْنَى الْعُمُومِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْعَدَدَ} .
قال: (وَمِعْيَارُ الْعُمُومِ: صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ) فأُورد عليه: أن العدد يلزم على كلامك أنه عام وليس بعام بنصك أنت، ويدخله الاستثناء.
{وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْعَدَدَ فَوَرَدَ عَلَيْهِ، فَأَجَابَ: بِأَنَّا لَمْ نَقُلْ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٌّ. بَلْ قُلْنَا: كُلُّ عَامٍّ يَقْبَلُ الاسْتِثْنَاءَ} يعني: انفك عن الإيراد: لَمْ نَقُلْ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٌّ. بَلْ قُلْنَا: كُلُّ عَامٍّ يَقْبَلُ الاِسْتِثْنَاءَ فَمِنْ أَيْنَ الْعَكْسُ؟
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ مِعْيَارَ الشَّيْءِ مَا يَسَعُهُ وَحْدَهُ.
يعني: الجملة نعم هي صحيحة، لكن إن قلت: معيار. يعني: ما يُوزَن به الشيء، وما يوزَن به الشيء لا بد أن يكون خاصًا به، فإذا دخل على غيره فحينئذٍ لا يكون كذلك، كما إذا قلنا: علامة الاسم دخول أل، حينئذٍ يلزم من أل ألا تدخل على غير الاسم؛ لأنها لو دخلت على غير الاسم لم تكن علامة.