إذا أرادت أن تضيف إلى المثنى"كُمُا"جمعت، ولذلك قال: {لأَنَّ قَاعِدَةَ} اللغة {أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ أُضِيفَا إلَى مُتَضَمِّنِهِمَا يَجُوزُ فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ} :
الأفصح: {الْجَمْعُ عَلَى الأَصَحِّ، نَحْوَ: قَطَعْت رُؤوسَ الْكَبْشَيْنِ} . هذا الأصل، الكبشان ليس لهما إلا رأسان.
إذا قال: قطعتُ وعنده كبشان، فالأفصح أن يقول: قَطَعْت رُؤوسَ الْكَبْشَيْنِ. يجمع؛ لأن الأصل في .. رءوس الكبشين أضافَه، العرب دائمًا تستثقل إضافة الشيء إلى نفسه، فما يدل على الاثنين يُستثقل إضافته إلى ما يدل على الاثنين، فلو قال: قطعتُ رأسي الكبشين هذا فيه ثقل؛ لأن المضاف يدل على الاثنين، والمضاف إليه يدل على الاثنين.
حينئذٍ ثَم مغايرة، ويُعلم بأنه أراد من المضاف -ليس حقيقته- الجمع بالمضاف إليه، لما قال: قلوبكما .. قلباكما هذا المراد.
عندنا قرينة تدل على أن القلوب هنا استُعمل وأريد به الاثنان لا الجمع؛ لأنه لو قال: قلوبكم صار جمعًا ولا إشكال فيه، أقله ثلاثة، لكن لما قال: قلوبكما. الكاف والميم هنا تدل على التثنية.
إذًا: قلوب جمعٌ استعمل وأريد به الاثنان، هذا الأصح.
{قَطَعْت رُؤوسَ الْكَبْشَيْنِ} يعني: رأسي الكبشين.
{ثُمَّ الإِفْرَادُ قَطَعْتُ رَأْسِ الْكَبْشَيْنِ، ثُمَّ التَّثْنِيَةُ كَرَأْسَيْ الْكَبْشَيْنِ} قَطَعْتُ رأسي الكبشين.
لماذا جعله مرحلة ثالثة وقدم عليه الإفراد؟ للثقل الذي يكون في اللسان.
{وَإِنَّمَا رُجِّحَ الْجَمْعُ اسْتِثْقَالًا، لِتَوَالِي دَالَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّثْنِيَةُ} دالين يعني: المضاف والمضاف إليه.
{وَتَضَمُّنُ الْجَمْعِ الْعَدَدَ، بِخِلافِ مَا لَوْ أُفْرِدَ} .
قال: {وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلافُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لاسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ لُغَةً. وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي نَحْوِ: رِجَالٌ، وَمُسْلِمِينَ، وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ} .
و"قلنا ونحن"هذا قد يُستعمل مرادًا به الواحد: نحن ذهبنا، وكتبنا، وقلنا .. إلى آخره، يراد به الواحد تعظيمًا لنفسه، وقد يراد به الجمع، لكن ليس الخلاف فيه.
(وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ ثَلَاثَةٌ) أما الصلاة: إمَّا لمجيء النص وإما لما توارد عن السلف .. يعني: محل إجماعٍ فيه.
(وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ) يعني: لفظ الجماعة المشتق من الجمع ثلاثة (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) .
قَالَهُ الأَصْحَابُ، مَا عَدَا ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكَلِ، وَصَاحِبِ الْبُلْغَةِ فِيهَا. وَاخْتَارَهُ مِنْ النُّحَاةِ الزَّجَّاجُ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ لَفْظَ جَمْعٍ كَلَفْظِ جَمَاعَةٍ.
والصواب: الفرق، جماعة أقله ثلاثة لكن في غير الصلاة.
قال رحمه الله تعالى: (وَمِعْيَارُ الْعُمُومِ: صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ) .
أراد أن يعطينا ضابط فيما إذا شك المرء في هذا اللفظ، هل هو مستغرِقٌ أم لا؟ هل هو دالٌ على العموم أم لا؟
قال: (مِعْيَارُ) يعني: ما يُوزَن به العموم، ويدل على أن اللفظ بالفعل مستغرِقٌ لما يصلح.