بعدما بيّن أن اللفظ قد يكون عامًا وقد يكون خاصًا، حينئذٍ هل يوجد عامٌ مطلقٌ لا أعم منه؟ وهل يوجد خاصٌ مطلقٌ لا أخص منه؟
هذه مسألة لا ينبني عليها حكمٌ شرعي، وإنما يذكرها الأصوليون هنا من باب تحقيق القول فحسب.
واختلفوا: الجمهور نعم عندنا لفظٌ عام لا أعم منه، ثم اختلفوا ما هو؟
فقيل: معلوم، وقيل: مذكور، وقيل: شيء. وقيل: مسمى .. وكلها معترضة.
لكن اختار المصنف هنا (مُتَصَوِّرِ) {اسْمِ مَفْعُولٍ} .
قال: {أَيْ لاَ أَعَمَّ مِنْ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تُخَيَّلُ صُورَتُهُ فِي الذِّهْنِ، فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمَعْلُومَ وَالْمَجْهُولَ} المتصور قال: هذا يصدق على كل ممكن، ثم هذا الممكن قد يكون معلومًا وقد يكون مجهولًا، لكن التصور يعني الخيال الذهني.
هل يتخيل الذهن ما هو مجهول؟
المصنف يرى نعم، أن الذهن قد يتخيل ما هو مجهول، فحينئذٍ يدخل تحتها المتصور.
وإن قلت بأننا نمنع أن الذهن يتخيل ما هو مجهول -يعني: غير معلوم- فحينئذٍ لم يكن المتصور هذا بلفظٍ أعم مما يقال فيه أنه أعم من غيره.
قال: {فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمَعْلُومَ وَالْمَجْهُولَ، وَالْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ} وقيل: لا يتعلق العام بالمجهول. يعني: لا يتصور أن العام يتعلق بالمجهول. على كلٍ: المسألة لا ينبني عليها شيء.
قال: (وَلاَ أَخَصُّ مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ) ليس تحته شيء البتة.
{وَلاَ شَيْءَ أَخَصُّ مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ كَزَيْدٍ وَهِنْدٍ، وَمِثْلُهُ الْحَاضِرُ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ بِهَذَا} هذا زيدٌ، أو هذا الرجل، أو هذا الكاتب .. هذا لا أخص تحته. يعني: لا يدخل تحته شيءٌ البتة.
قال: (وَكَحَيَوَانٍ عَامٌّ خَاصٌّ نِسْبِيٌّ) .
يعني: قد يكون اللفظ باعتبار شيء هو عام، وباعتبار شيءٍ آخر هو خاص.
يعني: باعتبار ما تحته هو عام، وباعتبار ما فوقه هو خاص.
قال: (وَكَحَيَوَانٍ) {أَيْ وَمِثْلِ لَفْظِ حَيَوَانٍ} .
(عَامٌّ) يعني: بالنسبة إلى ما تحته؛ لأنه نسبيٌ.
{لأَنَّ الْحَيَوَانَ أَعَمُّ مِنْ الإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالأَسَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ} .
فالإنسان حيوان، فكل إنسان حيوان ولا عكس. إذًا: دخل تحته، وكذلك الفرس وغيره.
(خَاصٌّ نِسْبِيٌّ) يعني: بالنسبة إلى ما فوقه؛ {لأَنَّ الْحَيَوَانَ أَخَصُّ مِنْ الْجِسْمِ} الحيوان جسم وليس كل جسمٍ يكون حيوان.
إذًا: هو باعتبار ما فوقه أخص، وباعتبار ما تحته عام.
{وَمِنْ النَّامِي لِشُمُولِهِ النَّبَاتَ، فَكُلُّ لَفْظٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ عَامٌّ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ خَاصٌّ} .
على كلٍ: هذه المسألة لا فائدة منها.
(وَيُقَالُ لِلَّفْظِ عَامٌّ وَخَاصٌّ، وَلِلْمَعْنَى أَعَمُّ وَأَخَصُّ)
هذا مجرد اصطلاح. يعني: اصطلح الأصوليون أنهم إذا أرادوا اللفظ قالوا: عام، وقالوا: خاص، وإذا أرادوا المعنى قالوا: أعم. جاءوا بصيغة التفضيل وأخص. مجرد اصطلاح.
قَالَ الْكُورَانِيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: هَذَا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ لا يُدْرَكُ لَهُ وَجْهٌ سِوَى التَّمْيِيزُ بَيْنَ صِفَةِ اللَّفْظِ وَصِفَةِ الْمَعْنَى.