قال رحمه الله تعالى: (وَيَكُونُ مَجَازًا) يعني: {يَكُونُ الْعَامُّ مَجَازًا عَلَى الأَصَحِّ، كَقَوْلِك: رَأَيْتُ الأُسُودَ عَلَى الْخُيُولِ} . الأسود هذا جمعٌ وهو مُحلى بأل وهو عام.
هل هو حقيقة أو مجاز؟ مجاز؛ لأنه قال: على الخيول. يعني: ليس المراد الأسود التي هي الحيوان المفترس؛ لأنها لا تركب الخيول، وإنما الذي يركب الخيل هو الرجل الشجاع.
إذًا: أراد بالأسود هنا وهو لفظٌ عام أراد به المجاز، ولذلك قال: (وَيَكُونُ مَجَازًا) .
يعني: ليس كل لفظٍ يستغرق ما يصلح له اللفظ يكون حقيقة بل قد يكون مجازًا، وهذا المثال واضحٌ بيّن.
فَالْمَجَازُ هُنَا كَالْحَقِيقَةِ فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَامًّا.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَعُمُّ بِصِيغَتِهِ؛ لأَنَّهُ عَلَى خِلافِ الأَصْلِ، فَيَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى الضَّرُورَةِ.
يعني: لا يكون مجازًا إلا لضرورة، لكن نقول: المجاز ليس مقيدًا بالضرورات، وإنما هو للأمور التي مرت معنا: إما وحشية في الحقيقة، أو لثقل الحقيقة، أو لسهولته، أو لكونه مناسبًا لناس ونحوه .. كما مر معنا.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ خَاصًّا بِحَالِ الضَّرُورَةِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ قَوْمٍ غَالِبٌ عَلَى اللُّغَاتِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَجَازِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ. إلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلامَ هذا لا يصح مرفوعًا وإنما هو من قول ابن عباس.
فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، فَدَلَّ عَلَى تَعْمِيمِ كَوْنِ الطَّوَافِ صَلاةً مَجَازٌ وكَوْنِ الطَّوَافِ صَلاةً مَجَازٌ.
قال: إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلامَ. الاستثناء معيار العموم. إذًا: ما قبل إلا في العدد.
حينئذٍ نقول: ما قبل إلا لفظٌ عام؛ لأنه قال: الطَّوَافُ. سماه صلاةً، مجازًا أو لا؟ قال: مجازًا.
ودخله الاستنثاء، إذًا: دل على أنه عامٌ ثم قال: بأنه صلاة. وهذا يُعتبر مجازًا.
ولذلك قال: وَكَوْنِ الطَّوَافِ صَلاةً مَجَازٌ.
على كلٍ المثال اللغوي السابق قد يكون أوضح.
ثم قال: (وَالْخَاصُّ مَا دَلَّ) على (أَخَصَّ) يعني: يقابل العام اللفظ الخاص.
بمعنى أن العام: هو اللفظ المستغرق لما يدخل تحته بلا حصرٍ دفعة واحدة.
والخاص: هو اللفظ الذي لا يعبّر عنه بأنه عامٌ، وليس المراد أن يكون مدلوله الواحد لا، وإنما كل ما لا يصلح أن يكون عامًا فحينئذٍ يثبت أنه خاص.
قال: {وَالْخَاصُّ بِخِلافِ الْعَامِّ؛ لأَنَّهُ قَسِيمُهُ} .
فَهُوَ (مَا دَلَّ) على (أَخَصَّ) يعني: {مَا وُضِعَ لَهُ دَلالَةً أَخَصُّ مِنْ دَلالَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ} .
(وَلَيْسَ بِعَامٍّ) يعني: {لَيْسَ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بِعَامٍّ أي: بِالْمَحْدُودِ أَوَّلًا} . يعني: لا يسمى عامًا.
حينئذٍ جاء رجالٌ هذا يسمى عامًا؟ لا يسمى عامًا. هو خاص؟ نعم كل ما لا يصدق عليه أنه لفظٌ عام فهو خاصٌ؛ لأن العام هو الذي لا يستغرق، فالمستغرِق حينئذٍ يكون خاصًا. هذا الذي أراده.
ثم قال: (وَلاَ أَعَمَّ مِنْ مُتَصَوِّرِ وَأَخَصَّ مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ) .