وابن تيمية رحمه الله تعالى يعترض على هذا التعبير؛ لأنهم يريدون به الإشارة إلى أن الشيء قد ينفك عن موصوفه، فيقال: زيدٌ من حيث هو زيد لا باعتبار وجوده.
فعندهم الوجود قدرٌ زائد على الذات، فيتصور حينئذٍ ذات لا توصف حتى بالوجود، وهذا لا وجود له .. ذاتٌ لا توصف بكونها موجودة ولا يكون الوصف لازمًا له هذا لا وجود له.
بل الوجود هو عينه، لا يتصور أن ذات موجودة ولا توصف بالوجود، هذا لا وجود له إلا عند أرباب الكلام.
على كلٍ: هذا المراد {مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ} . يعني: من حيث الذات أو الماهية لا بوصفها بصفة حتى الوجود، فيُنزع عنها دلالة الوجود {فَهُوَ الْمُطْلَقُ} .
{أَوْ عَلَى وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَزَيْدٍ} تشخيص {فَهُوَ الْعَلَمُ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ كَرَجُلٍ فَهُوَ النَّكِرَةُ، أَوْ عَلَى وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. فَهِيَ إِمَّا بَعْضُ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ. كَعِشْرِينَ رَجُلًا، أَوْ جَمِيعُهَا فَهُوَ الْعَامُّ} .
يعني: ما دل على وحدات متعددة إما بعض الوحدات وهو العدد؛ لأن العشرين دل على العشرين -على المعدود-، لكنه هل هو كل العدد؟ لا. وإنما هو بعض الوحدات.
وأما العام فهو يدل على جميع وحدات الماهية دون استثناء البتة، وهذا معنى الاستغراق الذي دل عليه اللفظ.
قال: {فَإِذًا: هُو اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ أَجْوَدُهَا} .
لكن ما ذكره في جمع الجوامع أوضح مما ذكره الطوفي رحمه الله تعالى.
هنا قال: {وَقَوْلُهُ: فَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ} أراد أن يبين هذا التركيب.
{أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْرِضُ لَهَا} حتى صفة الوجود، لكن لم يذكر هذا.
{لَهَا مِنْ وَحْدَةٍ وَكَثْرَةٍ، وَحُدُوثٍ وَقِدَمٍ، وَطُولٍ وَقِصَرٍ، وَلَوْنٍ مِنْ الأَلْوَانِ. فَهَذَا الْمُطْلَقُ} . وهذا لا وجود له.
{قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ وَافَقَهُ: إِنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ} .
يعني: أفراد مسمى اللفظ فلم تدخل النكرة.
{وَقِيلَ: مَا عَمَّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا} .
وهذا نسبه في التحرير إلى أكثر الأصحاب، ولو قدمه المصنف على أنه هو المعتمد لكان أولى؛ لأنه اشترط في المقدمة: أنه يقدم ما قدمه صاحب التحرير على غيره من الأقوال، أو ما كان عليه أكثر الأصحاب.
وذكر في التحرير أن أكثر الأصحاب في تعريف العام: ما عم شيئين فصاعدًا، ولو قدّم هذا لكان أولى.
{وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا ضَرْبَةً، أَيْ دَفْعَةً. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ} .
وابن قدامة في الروضة قال: اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدًا مطلقًا.
ثم قال: واحترزنا بالواحد عن قولهم: ضربَ زيدٍ عمروًا .. كما مر معنا؛ فإنه يدل على شيئين لكن بلفظين، وبقولنا: مطلقًا عن قولهم: عشرة رجال، فإنه يدل على شيئين فصاعدًا لكن ليس بمطلق بل هو إلى تمام العشرة.
على كلٍ: المراد باللفظ العام: هو اللفظ الذي يدل على ما لا حصر له من الآحاد. هذا الذي يراد به لفظ العام.