رَبُّنَا اللَّهُ .. إلى أن قال الشيخ: (وهذا يدل على حكمة الجهاد، وأن المقصود منه إقامة دين الله [1] ، وذبّ الكفار المؤذين للمؤمنين، البادئين لهم بالاعتداء، عن ظلمهم واعتدائهم، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة، إلى قوله:(فدل هذا، أن الجهاد مشروع، لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصود لغيره) اهـ
قلت: ما ذكره الشيخ من مقصد الجهاد هنا إنما هو مرحلة من مراحل الجهاد، وليس هو ما استقر عليه أمر الجهاد يوم أكمل الله لنا الدين وأتم علينا نعمته، وقد دأب المنهزمون في زماننا على حصر الجهاد بهذه المرحلة (رد العدوان والمعتدين، ودفع الصائل) ويزعمون أن الجهاد إنما شرع لأجل ذلك فقط، وذلك تمشيا منهم مع الشرائع الدولية التي فرضت على المنهزمين ولا يلتزم بها إلا المنهزمون، وإلا فإن دول الكفر الكبرى كأمريكا وإسرائيل ونحوها لا تلتزم بشيء من ذلك ..
ولو صح زعم أولئك المنهزمين فأين قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(5 ) ) سورة التوبة، وهذه الآية يسميها العلماء بآية السيف.
وقد قال السعدي عندها مبررا لقتال المشركين: (لأن الأرض أرض اللّه، وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربة الذين يريدون أن يخلوا الأرض من دينه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) اهـ.
فكأن أمر القتال موقوف على هذه الأسباب.
أين قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة: 29.
(1) إقامة دين الله في الأرض لا تكون إلا بجهاد طلب، وهذا يناقض حصر الجهاد وتحجيره على دفع الصائل المؤذي.