المنع منه لما تقدم عن أبي أمامة وأنس ومعاوية رضي الله عنهم في ذلك وأحاديثهم وإن كانت واردة في هذا القسم فعمومها يشمل القسم الأول أيضًا لأن كلًا منهما من أفعال الأعاجم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من تشبه بقوم فهو منهم] وفي الحديث الآخر: [ليس منا من تشبه بغيرنا] . وقد فرق العلماء بين القيام لأهل الفضل والفقه وبين القيام لغيرهم فأجازوه لأهل الخير ومنعوه لغيرهم وهذا تفريق لا دليل عليه وقد تقدم: رد ما قاله النووي في ذلك., وقال إسحاق بن إبراهيم: خرج أبو عبدالله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: لاتقوموا لأحد فإنه مكروه وقال أحمد أيضًا: في رواية مثنى: لايقوم أحد لأحد. وقال حنبل قلت لعمي: ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه؟ قال: لايقوم أ حد لأحد إلا الولد لوالده أو أمه فأما لغير الوالدين فلا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وظاهر هذه الروايات: أنه لا فرق بين القيام لأهل الفقه والدين وبين القيام لغيرهم وقد روى عن الإمام مالك نحو هذا قال ابن القاسم في المدونة قيل لمالك: الرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك ولابأس أن يوسع له في مجلسه قال قيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا فليس هذا من فعل الإسلام. وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس فقال: أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فإنه من فعل الجبابرة وقد أنكره عمر بن عبد العزيز .. انتهى.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى أبو بكر والقاضي ومن تبعهما: فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقًا لغير الوالدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقًا خطأ وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك وما أراد أبو عبدالله ـ والله أعلم ـ إلا لغير القادم من سفر. فإنه قد نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به وحديث سعد: يخرج عليه وسائر الأحاديث فإن القادم يتلقى لكن هذا قام فعانقهم والمعانقة لاتكون إلا بالقيام. وأما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر فأما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ بل المنصوص عن أبي عبدالله هو الصواب انتهى. وقصة ابن أبي ذئب التي أشار إليها الشيخ قد ذكرت له مع المهدي وأنه لما حج دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال المسيب بن أبي زهير لابن أبي ذئب: قم هذا أمير المؤمنين فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي: دعه فلقد قامت كل شعره في رأسي". [الدررالسنية"