فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 156

ابن الزبير ـ وكان أرزنهما ـ قال معاوية رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من سره أن يمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ مقعده من النار] إسناده صحيح على شرط مسلم. قال ابن الأثير في قوله: [من سره أن يمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار] أي: إذا انتصب قائمًا وإنما نهى عنه لأنه من زي الأعاجم ولأن الباعث عليه الكبر وإذلال الناس. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على قول النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا ولاتفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها] . في هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود. ومعلوم: أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد ونهى أيضًا عما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك وفي هذا الحديث أيضًا: نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم لقوله: [فلا تفعلوا] فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟! انتهى.

وقال النووي فيه: النهي عن قيام الغلمان والاتباع على رأس متبوعيهم الجالس لغير حاجة وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير فليس من هذا بل هو جائز قد جاءت به أحاديث وأطبق عليه السلف والخلف. قلت: في آخر هذا الكلام نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفضل الخلق وخيرهم ومع هذا فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا خرج عليهم وأخبرهم: أن ذلك من فعل الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا. وقال أنس رضي الله عنه لم يكن شخص أحب إليهم منه صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك ولما قام ابن عامر لمعاوية رضي الله عنه لما خرج عليهم أمره أن يجلس وحدثهم بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من التشديد في ذلك وهذه أحاديث صحيحة فيجب العمل بها ومن قال إنها محمولة على القيام على الملوك وهم قعود وما أشبه ذلك فقد أبعد النجعة وخالف ما دلت عليه هذه الأحاديث من النهي عن القيام للداخل ونحوه على وجه التعظيم والأحترام. ـ ثم ساق كلامًا لابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن قال ـ: إذا علم هذا فالقيام على ثلاثة أقسام: أحدها القيام للرجل وهو قاعد كما يفعله الشرط وغيرهم من أعوان الملوك مع الملوك وهذا هو الذي ورد النهي عنه في حديث جابر رضي الله عنه الذي تقدم ذكره ولا أعلم نزاعًا في كراهته والمنع منه.

ويستثنى من هذا: مسألة واحدة وهي: ما إذا قدم على الإمام رسل من الأعداء وخيف منهم أن يغدروا به فلا بأس أن يقوم بعض أعوانه على رأسه باالسلاح كما فعل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في صلح الحديبية كان قائما بالسلاح على رأس النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه رسل قريش والحديث في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما. القسم الثاني: القيام للدخول ونحوه إعظامًا له واحترامًا لالقصد المعانقة أو المصافحة وفي كراهة هذا والمنع منه: نزاع بين العلماء والصحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت