ثم تأتي اللمسة الأخرى لتضرب أوتار القلب فتكشف عن حقيقة أصل هذا الإنسان ونشأته وحكمة الله تعالى في خلقه وتزويده بطاقاته ومداركه، وتذكره بذلك حتى يعرف أصله ويرى تكريم الله تعالى له.
"إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا"
فأصل الإنسان، هذه النطفة الأمشاج، المكونة من أخلاط شتى.
"فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ".
وآلة الإدراك عند الإنسان: هي السمع والبصر والفؤاد.
"فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا"
"وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"
وبين هذه النشأة من هذه النطفة المهينة إلى أن يصبح الإنسان في أحسن تقويم شبابًا قويًا قادرًا على الكسب والاختيار تمر بالإنسان مراحل كثيرة تتجلّى فيها عناية الله الرحيم ورعايتُه لهذا الإنسان الضعيف.
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ".
"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ".
ثم تأتي لمسة ثالثة تريه طريق الهدى والضلال وتستحثّه على سلوك طريق الهدى وتحذّره من طريق الضلال وتترك لعقله الواعي المدرك بعد ذلك أن يختار مصيره بنفسه. ويتحمل تبعة هذا الاختيار.
"إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا، إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَاسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا".