الصفحة 27 من 36

أيها الأخوة المؤمنون

"أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ"

من الذي ينزل الماء من السماء؟! أليس هو الله؟!

ومن الذي ينزل الحقَّ على رسله ليهتدي به الناس؟! أليس هو الله؟!

نعم! إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية بقدرها، كلّ بحسب طاقته ومقدار حاجته، وإن الرسل لتبلّغ الحق للناس، فتستقبله القلوب كل بحسب طبيعة استعداده وطاقته فالقلب المؤمن يستقبله بغير ما يستقبله به القلب الأعمى الكافر. وتسيل الأودية بالماء ويطفو الزبد والغثاء على وجه الماء حتى إن الزبد ليحجب الماء في بعض الأحيان، هذا الزبد رابٍ منتفخ، ولكنه في حقيقته غثاء، والماء ساربٌ ساكن هادئ، ولكنه الماء الذي يحمل الخير والحياة والنماء. وهذا يقع كذلك في المعادن التي تُصهر وتذاب لتُصاغ منها الحُليّ، فأثناء الصهر يطفو الخبث والزبد وقد يحجب المعدن الأصيل، ولكنه خبثٌ زائل سرعان ما يذهب ويبقى المعدن في نقائه وصفائه ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة الدنيا الفانية. الباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابيًا طافيًا في نظر الناس ولكنه كالزبد أو الخبث سرعان ما يذهب جفاءً مطروحًا لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحق الهادئ يظل سائرًا هادئًا ينتفع به الناس الذين صفت قلوبهم واستقامت بصائرهم وتنوّرت مداركهم.

"وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"

أيها الأخوة المؤمنون وحّدوا الله.

لا يغرنكم زبد الباطل وانتفاخه مهما علا وطفا وارتفع، مهما زيّنه الأعلام وزخرفته الصحافة، واتّبعه الضالّون والمضلون، أو قامت على رغوته دول كبرى وانتصبت له رايات وأعلام. فهو سرعان ما يزول"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء"وتمسكوا بالحق مهما انزوى أو غار أو دفنه الزبد والغثاء فهو الحق الذي يحيي النفوس كالماء الساكن تحت الرغوة المنتفخة، وكالمعدن الصريح النقي المغمور بخبث سرعان ما يزول.

أيها الأخوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت