هذا الخلق الهائل الماثل لذوي البصائر والأبصار، خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابّة، وتعاقب الليل والنهار، هذا الخلق الرحيب الرهيب، هو الحقيقة الكبرى البدهيّة التي تقرع الحواسّ فتبعث العقول المتبلّدة على التفكير والأدراك. لتصل بها إلى الحقيقة العظمى وهي أن الخالق سبحانه خالق الأرض والسماء، هو وحده رب السموات والأرض، هو مالكها وسيدها المطاع، الذي أتقن صنعها ويدبّر أمرها،"صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"ولهذا كرر القرآن الكريم هذه الحقيقة كثيرًا، لعلّ البليد يفكر، ولعل الضالّ يهتدي، ولعل العاقل يدرك ويعتبر.
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ".
"وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ".
أيها الأخوة
ولكن بعض العقول البليدة ترفض التفكير، وتأبى النور، والعيون العمي لا تبصر الحقيقة، وتحب أن تبقى في الظلام وشتان شتان بين النور والظلام.
"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ؟! أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ"؟!
أيها الأخوة المؤمنون
وهنا يسأل الحق جل وعلا،
"قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟! قُلِ اللّهُ!"
فهو سؤال لا ليجيبوا عليه، إنما ليسمعوا الجواب ملفوظًا كما رأوه مشهودًا في آفاق الكون الرحيب. قل: الله! نعم! الله وحده هو رب السموات والأرض، ويأتي بعد ذلك السؤال المترتب على هذه الحقيقة،"قُلْ: أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا"وهم فعلًا قد اتخذوا أولئك الأولياء من دون الله، فكيف تفعلون ذلك؟! أفلا تعقلون؟!
"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ؟! أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ؟!"