وأما الاستدلال بحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) فتعقب بأن الخطبة ليست بصلاة، ولذلك عدُّوها في الشروط لا في الأركان، وهم يفرقون بين الشرط والركن بأن الشرط ما خرج عن ماهية العمل، بينما الركن داخل في الماهية، ثم إن هناك أفعالًا في الصلاة داوم عليها النبي ? ولم يقل أحد بوجوبها كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، فلا يسلم لهم هذا الاستدلال.
ومع هذا فالآية الكريمة دليل مرجح لقول الجمهور، ووجه الدلالة فيها أن السعي إلى الذكر واجب في الجمعة، والذكر هو الخطبة، فتكون الخطبة واجبة بدلالة الإشارة، ومما يؤيد أن الذكر الذي أمرنا بالسعي إليه فيها هو الخطبة حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعًا: [ ... فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر] [1] .
وبذلك تبقى استدلالات القائلين بعدم وجوبها ضعيفة أمام دلالة الآية والله أعلم.
شروط الخطبة ومناقشتها:
فإذا ثبت وجوب الخطبة، فاعلم أنهم اشترطوا لها شروطًا مثل:
1 -كونها باللغة العربية عند المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، إلا أن المالكية قالوا: إن لم يكن فيهم من يحسن العربية سقطت عنهم الجمعة، بينما قالت الشافعية والحنابلة: يجوز أن يخطب بغير العربية إن لم يعرف العربية؛ وذهب أبو حنيفة إلى جوازها بغير العربية ولو للقادر على العربية، وهو وجه عند الشافعية على إحدى الطريقين حكاه النووي فقال: والثاني: مستحب ولا
(1) أخرجه مالك في الموطأ - كتاب الجمعة - باب العمل في الغسل يوم الجمعة. والبخاري - كتاب الجمعة - باب فضل الجمعة. ومسلم - كتاب الجمعة - باب الطيب والسواك يوم الجمعة. وأبو داود - كتاب الطهارة - باب في الغسل يوم الجمعة - والنسائي - كتاب الجمعة - باب وقت الحمعة، ورواه في باب التبكير إلى الجمعة بلفظ: استمعوا الخطبة، وهذا يؤيد تفسير الذكر بالخطبة،. والترمذي - أبواب الجمعة - باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة. والبيهقي بلفظ: استمعوا الخطبة، في أبواب التبكير إلى الجمعة - باب فضل التبكير إلى الجمعة. وابن حبان - كتاب الصلاة - باب الجمعة.