الجمعة فالسابقة بالإحرام هي الصحيحة، إلا إذا كان الإمام أو نائبه مع الأخرى [1] .
ومن صور الحاجة إلى تعدد الجمعة في البلدة الواحدة: ضيق المسجد وتوابعه بحيث لا يسع المصلين، ووقوع عداوة شديدة تفضي إلى الاقتتال ونحوه إذا صلوا في مسجد واحد، والخوف من عدو كافر أو ظالم، واشتراط كون الجمعة واحدة إلا لحاجة هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على خلاف بينهم في بعض التفاصيل. وذهب الأحناف وابن حزم الظاهري إلى جواز تعددها ولو لغير حاجة [2] ، وما عليه الجمهور أولى كما قال ابن قدامة لأنه لم يَجْرِ به العمل، ثم إن من مقاصد الشريعة جَمْعَ كلمة المسلمين، وتوحيدَهم، وإذا كان النبي ? أنكر على المسلمين تفرقهم في سفرهم في الأودية والشعاب وقال إنه من الشيطان [3] ، فكيف بتفرقهم في الحضر في شعيرة عظيمة كصلاة الجمعة.
هذا، ومما استدل به المالكية على تحريم التعدد وبطلان الثانية قول الله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين - إلى قوله تعالى - لا تقم فيه أبدا} [4] قال القرطبي في تفسير هذه الآية:[قال علماؤنا: لا
(1) انظر المغني 3/ 213.
(2) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3/ 15 - 16، المحلى5/ 49.
(3) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب النهي عن التفرق في الشعب والأودية. وأبو داود - كتاب الجهاد - باب ما يؤمر من انضمام العسكر. والحاكم - كتاب الجهاد: 165، وصححه ووافقه الذهبي. ومن طريقه أخرجه البيهقي - كتاب السير - باب ما يؤمر به من انضمام العسكر كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء أنه سمع مسلم بن مشكم يقول حدثنا أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا فعسكر تفرقوا عنه في الشعاب والأودية فقام فيهم فقال: [إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان] فكانوا إذا نزلوا بعد ذلك انضم بعضهم إلى بعض حتى إنك تقول لو بسطت عليهم كساء لعمَّهم أو نحو ذلك والوليد بن مسلم ثقة كثير التدليس والتسوية وقد عنعنه؛ لكن رواه ابن حبان - كتاب الصلاة - باب المسافر؛ وإسناده صحيح، فقد صرح الوليد بن مسلم في سنده بالتحديث، وعبد الله بن العلاء ومسلم بن مشكم ثقتان كما في التقريب.
(4) التوبة: 107 -108.