فهل ذاك نافعه؟ قال: [لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين] [1] وفي هذا أعظم زاجر للمؤمن عن المكفرات التي تبطل إيمانه فيحبط بذلك عمله، ولا يذهبن الظن بمسلم إلى أن الكفر بعيد عنه فقد كان الصالحون: الصحابة ومن تبعهم بإحسان يخافون الكفر على أنفسهم، قال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق [2] يعني أن المؤمن يخاف النفاق على نفسه، والمنافق بخلاف ذلك، بل إن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام دعا ربه قائلًا: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [3] فلا يأمن على إيمانه إلا من حُجِب عن معرفة ربه ودينه وسيرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
ونعود إلى ما كنا فيه فنقول: إنما عددنا الإسلام في شروط الصحة لا في شروط الوجوب كما صنع بعض الفقهاء، بناءً على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأصولها لا بأصولها فقط في أصح قولي العلماء، فالكافر مخاطب ومطالب بالإيمان وبصلاة الجمعة، بمعنى أنه معذب على ترك الإيمان، ومعذب عذابًا زائدًا على ترك صلاة الجمعة، وكذلك سائر الواجبات، نعم. لن يقبل منه شيء منها إلا إذا آمن وصار من المسلمين، والدليل على رجحان هذا القول كثيرة، منها:
(1) أخرجه مسلم - كتاب الإيمان - باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل. وأحمد في المسند: 24773. وأبو عوانة في صحيحه - بيان تهوين العذاب على أبي طالب بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لا تناله شفاعته بنجاته ... والكافر لا ينفعه معروفه إذا مات. وابن حبان - كتاب البر والإحسان - باب ما جاء في الطاعات وثوابها. وابن منده في الإيمان 969. وابن جرير الطبري في تفسيره عند قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره} (الزلزلة: 7) .
(2) أخرج هذه الآثار معلقة البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(3) إبراهيم: 35.