إن الإسلام دين واقعي مثالي فهو لا يجعل الواقع أساس تشريعه ولا يهمل المثل العليا لضرورات الواقع، ولكنه يهدف إلى تحقيق المثل العليا مع معالجة الواقع بروح تتسم باليسر وتحقيق المصالح، ولقد قدمنا بأن الإسلام يحتم في الزواج أن يكون للتأبيد ولا يجيز تحديده بمدة معينة ولكن الواقع الإنساني عبر التاريخ القديم والحديث يثبت أن الحياة الزوجية المؤبدة تصبح في كثير من الأحيان مستحيلة التحقيق بسبب ما ينشأ بين الزوجين من خلافات وخصومات تصبح الحياة بسببها جحيما لا يطاق وسعيرا لا يحتمل.
ونورد فيما يلي الخطوات التي إتخذها هذا الدين، والإحتياطات التشريعية التي جعلها ضمانا للبنة الأساسية في المجتمع وحفظا لحجر الأساس في الحياة المتزنة القويمة.
1 -دعا الإسلام الزوجين إلى أن يشعر كل منهما بمسؤوليته قبل الآخر.
جاء في صحيح البخاري قال رسول الله ص كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته ... والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها.
وجاء في خطبة حجة الوداع فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف (4 ( [بتصرف عن كتاب المرأة بين الفقه والقانون -مصطفى السباعي- ص 123 وشرح قانون الأحوال الشخصية مصطفى السباعي ص 234.]
2 -فإذا بدأ الخلاف بينهما أوصاهما بأن يتحمل كل أخلاق الآخر فالعقول تختلف والنفوس والطبائع كذلك، قال تعالى وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. فالمودة تجب أن تهيمن، والإخلاص يجب أن يسيطر، والرحمة والمشاعر الطيبة يجب أن تتحكم (5 ( [بتصرف وإختصار عن كتابي المرحوم السباعي المرأة بين الفقه والقانون ص 124 - شرح قانون الأحوال الشخصية الجزء الأول ص 235.]
3 -فإذا إشتد الخلاف بينهما بحيث يخشى من الشقاق والفراق، ويخاف إضاعة حدود الله باهمال الحقوق والواجبات لكل منهما تجاه الآخر، فهنا يوجب الإسلام تشكيل محكمة عائلية تختار الزوجة عضوا نائبا عنها ويختار الزوج كذلك، وهذه المحكمة قد تنجح في إعادة جو الصفاء والوئام إلى العش الزوجي الهادئ وهذا الحل أهدأ وأنجع خوفا من تسرب الإسرار إلى المحاكم أو إلى المجتمع (1 ( [المصدران السابقان] .
4 -فإذا لم يجد التحكيم نفعا وأصر كل من الزوجين على موقفه أجاز الإسلام أن يقع الطلاق بين الزوجين لمرة واحدة تعتد فيها الزوجة في بيت الزوجية لمدة 3 حيضات، ولا يعاشرها الزوج معاشرة الأزواج.
والحكمة من هذه العدة هي ترك الفرصة الكافية لإعادة الصفاء والوئام بعد أن تهدأ الأعصاب، ومع أن الإسلام قد أباح الطلاق فإنه ينفر منه ويكره من الاقتراب إليه. فقد روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ص أبغض الحلال إلى الله الطلاق رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم.
وفي حديث آخر أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن.
وهذه الطلقة رجعية، إذ يجوز للزوج أن يعيدها إلى حظيرة الأسرة من غير عقد أو مهر أوشهود بل يكفي أن يتعاشرا معاشرة الأزواج لتعود الحياة الزوجية إلى مجراها، حتى أنه يكفي الرجعة بالقول عند الإمام الشافعي. يقول عملاق الفكر الإسلامي في القرن العشرين الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن؛ أنه لابد من فترة معقولة يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة فقد يكون في قلوبهما رمق من ود يستعاد، وعواطف تستجاش وقد يكون الطلاق إنما وقع نتيجة نزوة أو غلطة أو كبرياء، فإذا سكن الغضب وهدأت النفس استصغرت تلك الأسباب التي دفعت إلى الفراق وعاودها الحنان إلى ا ستئناف الحياة والطلاق أبغض الحلال إلى الله وهو عملية بتر لا يلجأ إليها إلا حين يخيب كل علاج «(2 ( [في ظلال القرآن -الجزء الثاني ص 195 الكاتب الكبير سيد قطب] .