فهنا علماء وفقهاء ، ورجال صالحون أتقياء ، يدعون إلى دين الله بالقدوة والموعظة الحسنة والعلم والفقه ، فيتعلم الناس الدين على أيديهم ، ويقتدون بهم على بصيرة ، ويمارسون الدين على وعي بأن هؤلاء الرجال معلمون ومربون ، وليسوا وسطاء بين العبد ومولاه .. وهناك"رجال دين".. كهنة يقومون بالوساطة بين العبد والرب ، ويحتكرون تفسير الدين ، فتظل العقول مغلقة عن حقيقة الدين ، لا تعرف إلا ما يقوله لها هؤلاء .. وهؤلاء لا يقولون ما يشفي الصدور ، ويحتفظون لأنفسهم بمكانة زائفة في نفوس أتباعهم على زعم أنهم هم الذين يعرفون"الأسرار"، بينما الحقيقة أنهم لا يزيدون علما بها عن أي شخص آخر ، لأنها - بطبيعتها - غير قابلة للفهم ، وغير قابلة للتصديق !
وكان هناك ثالثا فارق الواقع التاريخي .. وهو فارق ضخم .
فلدى المسلمين واقع تاريخي طبق فيه الدين بتمامه ، فكان أروع ما عرفته البشرية في تاريخها كله .. ذلك عصر النبوة والخلافة الراشدة . ثم واقع تاريخي امتد بعده عدة قرون ، وقعت فيه انحرافات وتجاوزات ، ولكن بقي فيه من حقيقة الدين ما أنشأ حضارة رائعة ، وحركة علمية فائقة ، وتمكنا في الأرض في جميع المجالات: السياسية والحربية والعلمية والفكرية والخلقية والاقتصادية والاجتماعية ، ملأ سمع الدنيا وبصرها ، ووعاه التاريخ .. وعند أوربا في مقابل ذلك - باعترافهم - ظلمات القرون الوسطى المظلمة ، المرتبطة في حسهم بسيطرة رجال الدين وطغيانهم الروحي والمالي والسياسي والفكري والعلمي .. وفي جميع الميادين .
وهذه الأمور وحدها كافية لجعل النتيجة هنا غير النتيجة هناك .
فالدين الحق في يسره وبساطته ، ومخاطبته لكيان الإنسان كله: روحه وعقله وجسمه ، وشموله لكل جوانب الحياة ، غير الدين المحرف الزائف الذي يحاول اللاهوت تيسيره فلا يزيده إلا تعقدا وعسرا ، فضلا عن كونه يشغل جانبا واحدا من الحياة ويترك بقية الجوانب في خواء .