الصفحة 23 من 104

أي عزة بالإيمان إزاء الاعتزاز الكاذب بكل"الحضارة المادية"وكل متاع الأرض!

ولكن موقف المسلمين من الهجمة الصليبية الأخيرة لم يكن كذلك .. لم يكن موقف الإعتزاز بالعقيدة الصحيحة، ولا الاعتزاز بالإيمان .. إنما كان الذلة النفسة والإنكسار ..

أو قل: هو الإنبهار ..

لأول مرة في تاريخهم ينظرون إلى أعدائهم على أنهم أعلى منهم .. لا في مجالات العلم و"التكنولوجيا"وآلات الحرب، فذلك ظاهر .. ولكن في الأفكار .. والنظم .. والعقائد .. وأنماط السلوك ..

لم يكن السبب هو الهزيمة العسكرية، ولا فارق الحضارة المادية ..

إنما كان الخلل في الإيمان .. في موطن العزة والاستعلاء ..

( .. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (1)

كان السبب هو الخواء العقدي الذي وقعت فيه الأمة عدة قرون ..

لذلك أدت الهزيمة العسكرية إلى الانبهار ..

وحين بدأ الانبهار .. دخلت الأمة في التيه ..

كان حجم التيه هائلا جدا .. أكبر بكثير مما يتصور أكثر الناس ..

ويكاد لايوجد جانب واحد من حياة الأمة لم يتأثر بالتيه .. كأنما انقلبت في نصف قرن أو يزيد، أمة أخرى غير التي كانت من قبل! انقلبت في كل شيء .. في تصوراتها وأفكارها ومشاعرها وأنماط سلوكها .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفكر والأدب و"الفن".. في كل شيء!

وكانت الأمة - ولا شك - تشعر بالانقلاب .. فقد كانت المفارقة حادة بين ما كانت عليه وما صارت إليه في تلك الفترة القصيرة من الزمن .. ولكن الكارثة أنها - وهي في التيه - كانت تظن أنها تنقلب إلى الأفضل! وتنظر إلى نفسها وهي تنسلخ من دينها وتقاليدها وموروثاتها وتصوراتها، على أنها قد بدأت - الآن - تخطو أولى خطواتها على الطريق المستقيم!

(1) سورة آل عمران: 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت