الصفحة 24 من 104

وهنا نقطة يجب أن يتبينها المؤرخ المسلم ويبينها للناس: أن الأمة قبل هذا الانقلاب لم تكن تسير على الطريق المستقيم ! لقد كانت قد حادت كثيرا عن الطريق وهي تظن أنها ما تزال سائرة فيه ! ولكن الذي يجب أن ندركه جيدا أن التوجه الجديد لم يكن إلى الطريق المستقيم حقا ، إنما كان انحرافا جديدا عن الجادة ، ولكنه كان أخطر بكثير من الأول . فقد كان الأول - على كل ما فيه من انحراف - تزييفا لواقع أصيل ، فمن السهل - حين تكشف الزيف - أن تعود إلى الأصل الذي خدعك الزيف عنه . اما الآخر فقد كان في اتجاه مضاد ، وكان أخطر ما فيه أنه يوسوس لك على الدوام أن لا ترجع أبدا إلى الطريق الأصيل .. بزعم أنه منبع الداء .. وأن البعد عنه هو وحده الدواء !!

لم يكن الذي غادره المسلمون ليدخلوا في التيه هو حقيقة الإسلام ..

فالتواكل والسلبية والجهل والخرافة والخمول والضعف والقعود عن اتخاذ الأسباب .. ليس من الإسلام .

وتحقير المرأة وحبسها في ظلمات الجهل والخرافة وتحجيم دورها في الحياة وحصره في الحمل والولادة والإرضاع .. ليس من الإسلام .

واستبداد الحكام بالسلطة ، وزجر الرعية عن التدخل في الشئون العامة ، فضلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ليس من الإسلام .

وقعود الفقهاء عن النظر فيما جدّ في حياة الناس من أمور ، فضلا عن تحريم الإجتهاد واعتباره بدعة ضارة خطرة مخيفة .. ليس من الإسلام .

وعشرات غيرها من الأمور التي كانت سائدة في المجتمع .. كلها دخيلة ، وكلها انحراف عن مقتضيات لا إله إلا الله ..

ولكن العلاج لم يكن نبذ هذا الدين .. إنما كان هو الرجوع إليه ، ونبذ ما وقع في حياة الناس من انحراف .

كان الأمر في حاجة إلى العالم الرباني المجدد ، الذي يجدد لهذه الأمة أمر دينها ، فيكشف الغاشية التي غشّت على بصيرتها ، ويردها إلى الطريق الصحيح ..

وشتان بين ما حدث بالفعل وبين ما كانت الأمة في حاجة إليه في ذلك الحين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت