إذا استثنينا هؤلاء وهؤلاء وهم قلة من الطرفين، فإن مجموع الأمة - الذي لفه التيه - كان يعيش بشخصية مزدوجة: بقايا الدين في العواطف والوجدان وبعض ألوان السلوك، والفكر الوافد بضغطه العنيف المتوالي يَحْرِفُ الأفكار والمشاعر والسلوك، ويجعل الصورة أمام الأعين مهتزة على الدوام، لا تتبين ملامحها للرائي، ولا يستيقن تفصيلاتها ..
ولقد عاشت أوربا من قبل فترة مماثلة، مع فارق الدين، وفارق التصورات، وفوارق السلوك ..
فحين اهتز سلطان الكنيسة ولم تعد له تلك السيطرة التي كانت له على أرواح الناس من قبل، وبدأت"النهضة"التي ارتدت في مفاهيمها إلى التراث الإغريقي، أو الروماني الإغريقي Greco-Roman ، كان الناس - في مجموعهم - يعيشون بشخصية مزدوجة: بقايا دين، وبدايات انسلاخ من الدين ..
ولكن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر ..
فرويدا رويدا لا بد أن تتغلب إحدى الشخصيتين على الأخرى حتى تمحوها، أو في القليل تخفيها في ظلها ..
وحدث ذلك في أوربا بالفعل. وكما كان متوقعا من أحوال أوربا ظلت الشخصية المنسلخة من الدين تقوى وتقوى، حتى محت الشخصية المتدينة تماما، أو في القليل أخفتها في الظل ..
وكان المتوقع للأمة الإسلامية أن تمر بذات الظاهرة، ظاهرة ازدواج الشخصية لفترة من الزمن، ثم تتغلب إحدى الشخصيتين على الأخرى في النهاية.
وبالفعل خاضت الأمة التجربة، وقطعت فيها شوطا غير قصير ..
ثم بدأت إحدى الشخصيتين تتوارى .. وبدأت الأخرى تظهر وتبرز. ولكن الأمر كان على غير ما توقع الكثيرون! كان مخالفا تماما لما وقع في أوربا .. !
كانت الشخصية التي بدأت تبرز هي الشخصية العائدة إلى الإسلام!
جاءت الصحوة على غير توقع من كثير من الناس، سواء منهم من كان يتمناها في قرارة نفسه، ومن كان يرجو ألا تحدث أبد الدهر!
كانت الأمة قد أوغلت كثيرا في التيه، وبعدت كثيرًا عن خط الإسلام.