ثم جاء النصر من عند الله حين توجه المسلمون بالعقيدة الصحيحة إلى الله ، واتخذوا الأسباب ، فكانت صيحة"وا إسلاماه"على لسان قطز ، وهجمته الصادقة على التتار في عين جالوت تغييرا في صفحة التاريخ ، فلم ينتصر المسلمون فحسب ، بل بدأ التتار يدخلون في الإسلام بعد هزيمتهم أمام المسلمين . كما كان توجه صلاح الدين إلى إصلاح عقيدة الناس ، واتخاذ الأسباب ، إيذانا بالنصر الحاسم الذي أعاد بيت المقدس ، وصد الصليبيين عن الشرق الإسلامي عدة قرون . ثم تعدى الأمر آثاره المحلية ، إذ بدأت أوربا نهضتها مستمدة من الحضارة الإسلامية بعد هزيمتها أمام المسلمين ! (1)
فإذا نظرنا من ناحية أخرى إلى قضية الفارق"الحضاري"بين المسلمين وأعدائهم ، فقد كان الفارق هائلا جدا لصالح الأعداء حين التقى المسلمون مع الفرس ومع الرومان ، وهم صفر اليدين من أسباب الحضارة المادية أو يكادون ..
ولكن ذلك الفارق الهائل لم يستوقفهم لحظة واحدة ليفكروا فيه ، ولا كان له في حسّهم وزن .. أي وزن !
وانظر إلى ربعي بن عامر وهو يدخل بكل عزة الإيمان على رستم في أبهته وطنافسه وبذخه ، فينظر إلى ذلك كله باحتقار بالغ ، ويتعمد إعلان ازدرائه له وتحقيره ، فيخزّق بسن رمحه سجاجيدهم ، ويربط حماره القصير الأرجل في بعض ما يعتزون به من فراشهم ، ثم يقول لرستم حين سأله: ما الذي أتى بكم إلى بلادنا ؟:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .."
(1) هذه النقطة لم تأخذ حظها من الدراسة العلمية الواجبة لها ، وهي تأثير هزيمة الصليبيين أمام المسلمين في نهضة أوربا ، وقيام هذه النهضة على أسس مستمدة من الإسلام . والسبب أن الأوربيين نادرا ما يعترفون بذلك ، وأن المسلمين في هزيمتهم الحالية لا يصدقون أن الإسلام كان له ذلك الأثر في حياة أوربا ! وهي قضية جديرة بدراسة علمية موسعة .