الصفحة 73 من 104

تراث ورثناه من آبائنا وأجدادنا ، كانوا - هم - يلتزمون به . ولكن لا إلزام له علينا ! نحن أمة أخرى وجيل آخر ! لسنا نحن المخاطبين به ، ولا المطالبين بتنفيذ ما فيه . غاية تعلقنا به - إن تعلقنا - أن نطرب لمن يترنم به ، وتهتز أسماعنا لجرسه .. ولكنه ليس موضع التدبر ، ولا التفكر ، ولا موضع الاستمداد في شئون الحياة اليومية ، ولا الحياة الفكرية ، ولا الحياة الاجتماعية ، ولا الحياة الاقتصادية ، ولا الحياة السياسية .. فتلك كلها صار لها مصدر آخر .. هناك .. عند القوم الذين لا يتكلمون العربية .. ولا يؤمنون بالقرآن !

ولم ينج عالم الأدب من التيه ..

وهل الأدب إلا التعبير عن كوامن النفس وخطرات العقل وتجربة الإنسان في الحياة ؟ وحين تكون هذه كلها ساربة في التيه ، فكيف يكون التعبير عنها في صورة أدبية أو فنية .. إلا أن يكون أدب التيه ، وفن الضياع ؟!

كان أول التيه أننا حملنا أدبنا العربي كله فوضعناه على الميزان الغربي ، فاتضح لنا - ويا للأسف - أنه ليس عندنا أدب !

شعرنا كله - أو جلّه - يندرج تحت بند واحد من بنود الشعر اليوناني ، الذي هو أصل الأصول في فن القول وفن الفكر وفن الحياة .. ذلك البند هو"الشعر الغنائي""Lyrical Poetry"الذي كان الرعاة يتسلون بغنائه وهم يرعون أغنامهم ، فيبثون فيه أشواقهم وأحزانهم ، وذكرياتهم وهمومهم الذاتية .. ولكن ليس عندنا ملحمة ، وليس عندنا مسرحيّة شعرية .. وليس عندنا .. وليس عندنا .. والمأساة الكبرى أنه ليس لدينا في أدبنا مأساة !

المأساة اليونانية هي أدب الدنيا والدين . هي عصارة التجربة البشرية العميقة الواصلة إلى الأغوار .. أغوار النفس البشرية ، وأغوار السنن التي تحكم حياة الإنسان على الأرض .. وخلوّ أدبنا منها عار ما بعده عار !

والمأساة اليونانية في حقيقتها - مع كل"أغوارها"ودقتها وبراعتها في الأداء الفني - هي صراع البشر مع الآلهة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت