وفي التيه اتخذنا قادة أوربا كأنهم قادتنا ! ومفكري أوربا كأنهم مفكرونا ! وأدباء أوربا كأنهم أدباؤنا ، فترنمنا بأسمائهم ، ورددنا كلماتهم ، واتخذنا شعاراتهم ، وحفظنا تواريخهم ، في الوقت الذي أغفلنا فيه ذكر قادتنا ومفكرينا وأدبائنا ، وجهلنا كل شيء عنهم ، حتى الصحابة رضوان الله عليهم ، حتى الوقائع الكبرى التي جرت للمسلمين الأوائل ، وكتب تاريخ هذه الأمة بحروف من النور الوهاج !
ونسينا حركتنا العلمية التاريخية ، فلم ندرك أن المسلمين هم الذين أنشئوا المنهج التجريبي في البحث العلمي ، وهم الذين اكتشفوا كروية الأرض وقاسوا أبعادها ، وهم الذين اكتشفوا الدورة الدموية ، وهم الذين رسموا الخرائط الأولى للعالم ، وهم الذين حددوا مواقع الكواكب ومنازلها ، وهم .. وهم .. وهم .. وخيل إلينا أن العلم كله بدأ في الغرب ، وبزغ من عبقرية الغرب ، وأنه لا عبقرية إلا في الغرب !
ونسينا سمات حضارتنا .. وأنها الحضارة التي تعاملت مع الإنسان كله: جسمه وعقله وروحه ، في شمول وترابط وتوازن ، الحضارة"الإنسانية"الحقيقية ، التي فتحت قلبها للبشر كلهم بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وحتى عقائدهم .. بينما حضارة الغرب حضارة للرجل الأبيض وحده في عنجهية كريهة لا تفيء قط إلى المفهوم الرباني:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (1) .
"كلكم لآدم ، وآدم من تراب" (2) .
وفي التيه تحول الكتاب المنزل إلى"تراث"..
(1) سورة الحجرات: 13 .
(2) أخرجه مسلم وأبو داود .