لقد كان السواد الأعظم الذي يلقى ظله على العالم الإسلامي - والذي ينبغي أن يكون المسلمون أول من يحس وطأته - هو الاستعمار ، وما يرتكب ذلك الاستعمار من فظائع ، وما يوقعه بالمسلمين من إذلال .
ولقد كان الاستعمار هو التكذيب الفعلي لكل دعاوي الغرب في رفعة قيمه وإنسانية حضارته وإيمانه الحقيقي بما يرفعه من شعارات .. وكان واقعه الأسود قمينا أن يوقظ المسلمين من وهلة انبهارهم إلى حقيقة تلك الحضارة الزائفة ، الموغلة في الأنانية ، المسفّة في وجدانها"الإنساني"إلى الحضيض ، وأن يعودوا إلى أمجاد تاريخهم المهجورة ، ليقارنوا بين حركة الفتح الإسلامي والاستعمار الصليبي ( الذي أخفيت صبغته الصليبية كما ألمحنا من قبل ) ليعرفوا الفارق بين الأمة الربانية ، والمنهج الرباني ، والأخلاق الربانية ، وبين مناهج الشياطين ، وإن كانت بشرتهم بيضاء ، وملابسهم نظيفة ، وألفاظهم منمقة ، وعلومهم فائقة !
وإذا كان الاستعمار - بكل ظلماته ومظالمه - لم يوقظ الأمة المبهورة من غفلتها ، ولم يخرجها من تيهها ، ولم يكشف لها سوءات تلك الحضارة الزائفة ، فلم تكن الأمة لتدرك - من باب أولى - أن"أخلاقيات"الغرب ليست أخلاقيات حقيقية نابعة من إيمان حقيقي بالقيم العليا التي يكثرون الحديث عنها في آدابهم ، إنما هي أخلاق نفعية ، تمارس بقدر ما تجلبه من النفع لأصحابها ، ولكنها تتذاوب إذا تعارضت مع"المصلحة".. والمصلحة مرتبطة بالمنفعة ، وليست مرتبطة بصلاح البشرية ، أو إصلاح"الإنسان"!