الصفحة 70 من 104

ولكن الأمر يمكن أن يكون ظاهرة صحية لو سار في اتجاه آخر .. ذلك أن أمجاد الماضي حقائق مشهودة وليست سبحات من الخيال ، فإذا استخدمت - تربويا - لحفز الهمم المتقاعسة ، وإحياء العزة المتهاوية ، فهي رصيد حيّ يصلح لعلاج حالة اليأس التي أصابت المسلمين من جراء الهزيمة العسكرية والهزيمة النفسية . ولكن دعاة الغزو الفكري وقفوا بالمرصاد لأي محاولة من هذا النوع ، كأنما يخشون أن تؤتي تلك المحاولات ثمارها ، فيعود المسلمون إلى ذوات أنفسهم التي هجروها في وهلة الانبهار ، ويبدءوا مسيرة جديدة على هدى ذلك الماضي المجيد الذي عاشوه عدة قرون .. والغريب في الأمر أن موقفهم ذلك لم يكن صادرا من عند أنفسهم ! فقد كانت كتابات المستشرقين تصدر النغمة أول مرة ، فيتلقفها دعاة الغزو الفكري ، ويرددونها بلا وعي - أو ربما بوعي ! - لتخذيل كل من يحاول إعادة الأمة إلى مجدها القديم !

وبدلا من ذلك كان التوجيه إلى أمجاد أوربا ! انظروا إلى التقدم العلمي ! انظروا إلى التقدم الحضاري ! انظروا إلى الرقي الفكري ! انظروا إلى الديمقراطية ! انظروا إلى الحقوق السياسية ! انظروا إلى الكرامة التي يتمتع بها الإنسان !

وأما التقدم العلمي ، والتكنولوجي ، والمادي ، والكرامة التي يتمتع بها الإنسان في المجتمعات الغربية فقد كانت كلها حقيقة .. أما الوزن النهائي لهذه"الحضارة"فقد كان أمرًا مختلفا كل الاختلاف !

ولكن الأمة - في التيه - لم تستطع أن ترى السلبيات في"الحضارة"الغربية . فالعين المبهورة لا ترى إلا الأضواء ، وتعجز عن رؤية السواد الذي يحجبه الضوء اللامع ! كما أن دعاة الغزو الفكري كانوا يوجهون تلك العيون المبهورة دائما إلى الأضواء ، ويزجرونها زجرا أن تنقب بين الأضواء لتكتشف اللطخ السود !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت