الصفحة 60 من 104

ولقد كانت"الميتافيزيقا"عندهم ضلالا صارفا عن الحق ، وصارفا عن العمل في واقع الأرض ، لا لأنها في ذاتها"غيبيات". فالغيب حقيقة . ولكن لأن الفكر الكنسي اللاهوتي صبغها بصبغته فأفسدها كما أفسد الدين كله . وكان التنوير الصحيح يقتضي الإيمان بعالم الغيب على بصيرة ، والإيمان بعالم الشهادة على بصيرة كذلك ، فتكتمل المعرفة ، ويتوازن"الإنسان". أما"التنوير"الذي يجعل عالم الشهادة بديلا من عالم الغيب ، والعقل بديلا من الدين ، والعمل للدنيا بديلا من العمل للآخرة .. فلا يفترق كثيرا عن"الظلام"الأول ! فقد كانت جريمة الظلام الأول أنه اتخذ نصف الإنسان بديلا من نصفه الآخر ! فجعل عالم الغيب بديلًا عن عالم الشهادة ، وجعل الدين بديلا من العقل ، وجعل العمل للآخرة بديلا من العمل للدنيا ، فجاء الظلام الآخر - الذي يسمى"التنوير"- فأبرز النصف الذي كان مهملا من قبل ، وأهمل النصف الذي كان بارزا من قبل ، فارتكب نفس الجرم الذي عابه على غريمه من قبل ، ووقع الافتئات في الحالين على كيان"الإنسان".

ولقد كانت الحياة قد ركدت وأسنت في بلاد العالم الإسلامي ، بما غشّى العقيدة من أمراض وانحرافات ، وبما اعترى السلوك من تفلت متزايد من مقتضيات لا إله إلا الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت