فلما احتكت أوربا بالمسلمين ، ورأت أنهم"يفكرون"وأن لهم نتاجا فكريا يملأ مئات الكتب بل ألوفها ، هفت نفوسهم"للتفكير"فاتهمتهم الكنيسة بالزيغ والهرطقة ، فكان رد الفعل المتحدي لطغيان الكنيسة هو نبذ الدين كله ، وإعمال العقل بدلا من الدين ، وهدم ما أسموه"خرافة الميتافيزيقا"، والاعتماد في كل شيء على مقولة العقل ، سواء كان مما يدخل في طوق العقل إدراكه أو لا يدخل ، وسواء كان مما يحل للبشر أن يختاروا فيه بعقولهم أو لا يحل !
وقد"تنورت"أوربا ولا شك في مجال العلوم - حين أخذت عن المسلمين المنهج التجريبي في البحث العلمي - ونبذت خرافات الكنيسة"العلمية"التي كانت تفرضها على الناس باسم الدين ! ولكنها ضلت ضلالا شديدا فيما أسمته"العلوم الإنسانية"- أي العلوم التي يؤخذ العلم فيها من الإنسان لا من مقولات الدين - فأوصلها ضلالها إلى الإيمان بحيوانية الإنسان وماديته ، وإلغاء القيم العليا ، وتطبيق قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف أو يزيحه من الطريق ، بصرف النظر عن الحل والحرمة ، وبصرف النظر عن كون القوي صاحب حق أم صاحب باطل .. وثمرته ما يجري اليوم على الساحة الدولية من ظلم وحشي ، فضلا عن القلق والجنون والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة داخل المجتمع الغربي"المتنور"!