الصفحة 58 من 104

فإذا فرغ العقل البشري من مهمته الأولى - التي يترتب عليها منهج حياته في الدنيا ومصيره في الآخرة - فأمامه مهام كثيرة أخرى في مقدمتها التعرف على الكون المادي ، وعلى خواص المادة ، من أجل استغلال ذلك في عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني - وذلك ميدان العلوم سواء منها النظرية والتجريبية - والتعرف على الوحي الرباني لإدراك مراميه ، لإدارة الحياة بمقتضاه - وتلك هي العلوم الشرعية بما فيها الفقه والأصول وعلوم القرآن وعلوم الحديث - والتعرف على السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية ، من أجل إقامة الحياة متناسقة مع تلك السنن غير حائدة عن مقتضياتها - وذلك علم الاجتماع - والتعرف على التاريخ البشري الذي هو مقتضى تعامل البشر مع تلك السنن خلال ما مر من الزمان ، للاعتبار به في حاضر الأمر ومستقبله - وذلك علم التاريخ - ثم أي علم بعد ذلك ينفع الإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة ..

وذلك هو"التنوير"الحق ، النابع من الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة ، والذي يعمل فيه العقل مهتديا بالهدي الرباني فلا يشطح ولا يضل ..

ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك ذلك .. ولم تدرك أن"التنوير"على المنهج الغربي كانت له أسبابه المحلية البحتة في أوربا ، وكانت له نتائجه المغرقة في السوء ..

لقد كانت"عقلانية"الغرب رد فعل لحجر الكنيسة على العقل عشرة قرون متوالية على الأقل هي ما سموه في تاريخهم"القرون الوسطى المظلمة"وقد كانت مظلمة حقا ، ولكن لا بسبب"الدين"كما تصورت أوربا في أثناء هروبها من طاغوت الكنيسة ، وإنما بسبب"ذلك الدين"الذي اعتنقته أوربا محرفا لا تسيغه العقول ، فقررت الكنيسة أن تحجر على العقول لكي لا تكشف زيفه ومتناقضاته ، فقالت للناس آمنوا ولا تناقشوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت