ذلك أن"المثقفين"قرءوا فيما قرءوا عن حياة الغرب أن الأسرة الكبيرة التي تشمل الأجداد والأحفاد إلى جانب الآباء والأبناء كانت سمة من سمات المجتمع الزراعي - الذي يوصف دائما بأنه مجتمع متخلف - أما المجتمع الصناعي - الذي يوصف دائما بأنه المجتمع المتطور - فقد ذابت فيه الأسرة الكبيرة ، وصارت الأسرة تقتصر على الأب والأم والأولاد .. وحتى الأولاد فإلى سن معينة ثم ينفصلون عن آبائهم ، ويؤسسون لأنفسهم حياتهم الخاصة ، ولو لم يتزوجوا ويكوّنوا أسرة .. فهذا أمر آخر ! إنما المهم هو الاستقلال الاقتصادي الذي يصحبه الانفصال عن الأبوين !
يا له من تقدم !
وإذا كنا نحن بعواطفنا"الشرقية"لا نتحمل هذه الجرعة الكبيرة من التقدم الحضاري ، فلنقتصر على إخراج الأجداد والأحفاد من نطاق الأسرة .. ولتظل الأسرة هي الأب والأم والأولاد ، إلى أن يتزوجوا ويكوّنوا أسرهم الخاصة ، ولنترك الأسرة الكبيرة لسكان الريف ، بحكم أنهم مجتمع زراعي متخلف ، لا يرجى له أن يتحضر من قريب !
أما الروابط الأسرية الموروثة التي كان منبعها تعاليم الدين فقد آن لها أن تتغير ، لأن الدين لم يعد في هذا العصر مصدر التوجيه . لقد صارت العلاقات الاقتصادية هي محور الحياة"الحديثة" ( يقولها قائلها مفتخرا بأنه نال شيئا من"الحداثة"ولو بلمس اليد من بعيد ! ) وصارت هي التي تقرر للناس روابطهم (1) ، فإذا تعارضت معها تعاليم الدين ، فتعاليم الدين هي التي ينبغي أن تتنحى .. لأنها نزلت في جو آخر ، ولقوم آخرين .. ولم يعدلها مجال في عالمنا المتطور الحديث ..
وانفك رباط الناس بالبيت ..
(1) قد يلاحظ أن هذه المقولة هي مقولة التفسير المادي للتاريخ ، ولكن التفسير المادي للتاريخ ليس خاصا بالفكر الشيوعي كما قد يظن البعض . إنما هو فكر أوربا كلها في عصرها الحديث بتأثير اليهود فيها .