وأما جموع أخرى من الناس فقد وقفوا حائرين: هل من المعقول أن يكون هؤلاء"الإفرنج"الراقون المتحضرون المتقدمون الذين نجلس نحن عند أقدامهم - إن سمحوا لنا أن نجلس هناك - هل من المعقول أن ينطبق عليهم ما جاء من وصفٍ في القرآن: أنهم الخاسرون .. أنهم الضالون .. أنهم هم الصم الذين لا يسمعون ، العمي الذين لا يبصرون ؟!
وي!
ومن الرابح إذن ومن المهتدي .. ومن المفتوح البصر والبصيرة ، الواصل إلى جوهر المعرفة وعلم اليقين ؟!
كلا ! لابد أن يكون القرآن يصف قوما آخرين .. كانوا في الماضي .. أما حاضر الغرب فلا يمكن أن ينطبق عليه الوصف !
ونحن أيضا ! أتنطبق علينا الأوصاف الواردة في القرآن إذا قلدنا الغرب وحاولنا أن نصنع مثلما يصنع ؟
حين نتعلم مثلهم ، ونرتقي مثلهم ، ونحطم الأغلال مثلهم ، ونحرر المرأة مثلهم ، ونشرع لأنفسنا مثلهم .. أنكون عندئذ في حكم"الجاهلية"كما يقول القرآن ؟!
كلا ! كلا !
إما أن القرآن قد نزل لقوم معينين ، كانت أحكامه صحيحة بالنسبة إليهم ، لأنهم كانوا في بداوتهم لا يملكون فكرا راقيا ينظمون به حياتهم ، فكان القرآن رفعًا لهم وتقدمًا بالنسبة إليهم ، وإما أن الدين كله - كما تقول أوربا - قد أخلى مكانه اليوم للتقدم البشري المبني على"العلم".. فلا علينا إذن أن نخالف أحكامه ونحن مطمئنون !
كانت الشريعة هي العقدة الضامّة .. فلما انحلت انفرط عقد كل شيء ..
ولم يكن التغيير كله ذاتيا بطبيعة الحال .. بل أقله هو الذي كان تلقائيا ، وأكثره كان مدفوعا مدبرا مخططا من قِبَل القوى الصليبية المسيطرة ، تعاونها الصهيونية الداخلة تحت كنفها ، العاملة في إطارها . ولكن الأمة - في التيه - كانت سرعان ما تتقبل التغيير ، سواء كان ذاتيا من المنبهرين ، أو مدفوعا مدبرا مخططا من الصليبيين والصهيونيين .
ولم يبق مجال واحد من مجالات الحياة بعيدا عن تيار التغيير ..
تغيرت الحياة الاقتصادية