وقد مارس العسكر هذه الوحشية كلها وهم"يحررون"الشعب من الخوف ! ويحررونه من الذل ! ويحررونه من الاستعباد ! وكان أحد هؤلاء الطغاة ينادي وهو يمارس أبشع ألوان الإذلال لشعبه: ارفع رأسك يا أخي ! فقد مضى عهد الاستبداد !!
ذَلَّ الناس .. وانكسرت أنفسهم .. وشملهم الرعب القاتل من"زائر الليل"الذي ينتزع الناس في جوف الليل من ديارهم وأزواجهم وأطفالهم ، ليلقيهم في ظلمات لا يعلم أحد مداها ، بل أخذت النساء كذلك لأول مرة في تاريخ الأمة ليعذبن داخل السجون .
ومع الفزع عم الفقر الشعب كله ، إلا المحظوظين الذين اكتنزت جيوبهم بالمال الحرام المسلوب من الأمة تحت سطوة القهر .. وطُحِنتْ مع كرامة الأمة أخلاقياتها ومثلها وقيمها ، وأصبح الهم الأكبر للناس البحث عن لقمة الخبز ، لهثًا وراءها حتى يجدوها - إن وجدوها - منقوعة في الذل والخوف والهوان .
ولحساب من يحدث هذا كله ؟!
لحساب من يسحق الشعب ، وتلقى كرامته في الأرض وتداس بأقدام الطغاة ؟!
لحساب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية ، حتى تأمن إسرائيل وتستقر وتتوسع ، والشعوب الإسلامية حولها مسحوقة لا تملك الاعتراض ، فضلا عن الرفض .. فضلا عن الجهاد المقدس ضد الغاصبين .
وهذا الذي ظفرت به الشعوب التي ثارت على مظالم العثمانيين !!
مرة أخرى نقول: لم تكن مظالم العثمانيين مقبولة ، ولا كان السكوت عليها مقبولا في شرع الله . ولكن العلاج الذي تناولته الأمة - في التيه - كان أفظع بكثير ، وأمرّ بكثير .. كان هو الذل والهوان والضياع .
و من عجب أنه كان في التيه - دائما - طبالون وزمارون ، يطبلون ويزمرون لكل مرحلة من مراحل التيه . فإذا جاء غيرها لعنوا الأولى التي كانوا يطبلون لها ويزمرون ، وبدءوا طبلهم وزمرهم للمرحلة الجديدة بنفس الحماسة ونفس"الولاء"!