الصفحة 35 من 104

ولم تكن المظالم العثمانية شيئا مقبولا ، ولا كان السكوت عليها جائزا في شرع الله .. ولكن الحل الذي قدم للأمة كان أسوأ بكثير في مجموعه من الحال التي اشتكى منها المسلمون من قبل ، حتى لقد انطبق عليه قول الشاعر:

رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه !

ومع ذلك فلم تكن تلك قمة المأساة ..

كانت القمة - كما أشرنا - هي الانقلابات العسكرية التي جاءت لتصلح الفساد الذي أحدثته الخطوة السابقة ، وتحرر الأمة من النفوذ الأجنبي الذي احتل العالم العربي بعد انسلاخه من الدولة الأم !!

لم تذق الأمة الإسلامية في تاريخها كله ظلما أشد من ذلك الظلم الذي أوقعته بها الانقلابات العسكرية .. فقد كان الاستبداد السياسي في العهود السابقة محدود النطاق .. يتعرض له أفراد بأعيانهم أو جماعة بعينها يقع عليها غضب السلطان ، ولكن الإنسان العادي لا يناله من ذلك الظلم إلا طمع الولاة في ماله ، أو ما يفرضونه عليه من الضرائب الباهظة مع فقره.. ولكنه يذهب إلى عمله وهو آمن ، يسمرون ، أو يتبادلون الحديث عن أوجاعهم ومتاعبهم ، أو يشتمون الوالي - في غيبته - وربما تعدوا الوالي فيشتمون السلطان ذاته .. وهم آمنون !

أما الحكم العسكري فقد كان شيئا يفوق في بشاعته كل حد ..

لا أمن ..

فجواسيس الحاكم يعدّون على الناس أنفاسهم . والويل لمن تكلم بكلمة ينتقد فيها عملا واحدا من أعمال الفرعون الجبار .. السجن والتعذيب والتشريد .. وقد يلقى حتفه في معتقله في ليل أو نهار في أثناء التعذيب ، فلا يجرؤ أهله - لا نقول أن يشتكوا - بل حتى أن يسألوا عنه: أحيّ هو أم ميت .. ومن سأل فجزاؤه على سؤاله أن يؤخذ إلى حيث يعود أو لا يعود !

وألوان من التعذيب تعفّ عنها الوحوش ..

فالوحش يفترس ليأكل ، فإذا شبع انصرف وكف عن الافتراس . ولكنه لايفترس من أجل تعذيب فريسته ، والتلذذ برؤية العذاب ينصب عليها ، كما يصنع الإنسان حين يفقد آدميته ، وينتكس أسفل سافلين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت