فقد كانت الشعوب العربية بالذات قد ثارت على مظالم الحكم التركي ، وطلبت الاستقلال عن الدولة العثمانية فرار من الظلم (1) ، وضحك عليها اليهود والنصارى معًا - عن طريق لورنس ، رجل المخابرات البريطاني الذي قاد"الثورة العربية الكبرى"في حقيقة الأمر - فأفهموها أنها ستحصل على الاستقلال ، وعلى العدل السياسي ، وعلى العصرانية والتمدن والتقدم ، وأنها ستولد ولادة جديدة بعد الثورة ، وتحقق من أحلامها مالم يتحقق لها في التاريخ !
وعملت"الثورة العربية الكبرى"عملها ، ففتتت وحدة العالم الإسلامي ، وأسهمت إسهاما ظاهرا في هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (2) ، ودمرت الخط الحديدي الذي كان السلطان عبد الحميد قد أنشأه ما بين اسطنبول والمدينة المنورة ، ثم .. تقاسمت بريطانيا وفرنسا بلاد العالم العربي ، وقسّمتاه إلى دويلات ضعيفة هزيلة فقيرة ، خاضعة كلها للاحتلال الصليبي ، ووُضِعت فلسطين - هدف اللعبة كلها - تحت الانتداب البريطاني ، تمهيدا لتسليمها لليهود فيما بعد ، وإنشاء إسرائيل .
وكان هذا هو الثّمَن الذي حصلت عليه الدول العربية حين ثارت - أو أثيرت - ضد مظالم الحكم العثماني: فقدت استقلالها ، وفقدت كرامتها ، وفقدت الأرض المقدسة التي بارك الله فيها وجعلها مسرى رسوله صلى الله عيه وسلم ، وفيها ثالث الحرمين الشريفين ، واستعبدت للغرب الصليبي ، وعاث اليهود في أرجائها .
(1) ثار الشعب التركي أيضا - أو أثير - وكان نصيبه بعد ثورته على يد أتاتورك أقسى بكثير مما اشتكى منه أثناء حكم السلاطين!
(2) قال اللورد أللنبي - قائد الجيش العربي الثائر - لولا معاونة الجيش العربي ما استطعنا أن نتغلب على تركيا !!