الصفحة 37 من 104

حين جاءت الديمقراطية وتشكلت الأحزاب وخاضت"المعارك"ضد بعضها البعض ، هلل الدعاة وكبروا ، وقالوا: الآن تحررت الأمة وارتقت ، وأصبحت تعبر عن إرادتها من خلال الأحزاب .. وحين جاءت الدكتاتورية الاشتراكية قام الدعاة يلعنون"العهود البائدة"التي أفسدت الأمة بالصراعات الحزبية ، وشتتت كلمتها ، وأفقدتها وحدتها .. ويلعنون في الوقت ذاته أنه قد آن الأوان للأمة أن تتوحد ، وتتحرر من الفساد ، وتستعيد شخصيتها المفقودة ، وتسير في طريق الفلاح ..!

ويدور الطبالون والزمارون .. كتابا وصحفيين ، وخطباء وفنانين ، وقصاصين ومسرحيين .. والأمة تدور وراءهم في ظلمات التيه !

ولم يكن ذلك هو التيه الوحيد في المجال السياسي ..

فقد نُشِرَتْ - وانتشرت - دعاوى القومية والوطنية في مقابل الوحدة الإسلامية ..

لم تكن الوحدة الإسلامية في تاريخ هذه الأمة دعوة ولا دعوى .. إنما كانت واقعا معيشا ، لاتفكر الأمة في غيره ، بحكم أنها تدين بالإسلام .

وقد تفككت"الدولة الإسلامية"أكثر من مرة ، في المشرق والمغرب ، لأسباب كثيرة ، ولكن شعور الأمة بأنها أمة واحدة من المغرب إلى المشرق لم يتأثر بتفكك الدولة ، بل لم يتأثر بالحروب التي قامت بين بعض الدويلات الإسلامية وبعض ."فالدول"بسلاطينها وأمرائها شيء ، و"الأمة"بوحدة عقيدتها ، ووحدة شعائرها ، ووحدة أفكارها ، ووحدة قيمها وتصوراتها شيء آخر ، لا دخل فيه لصراعات السلاطين والامراء ..

حتى دخلت"الأمة"في التيه ..

عندئذ تفككت وحدتها لأول مرة في التاريخ .. ذلك أن الرابط الجامع لم يعد هو الذي تجتمع عليه الأمة .. وإنما حلت محله الأفكار الدخيلة المستوردة من الغرب ، وهذه من شأنها أن تفرّق لا أن تجمّع .. من شأنها أن تحوّل الأمة إلى فتات ..

ولكن الأمة - في التيه - لم تكن تعي ذلك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت