وأن هذا التفريط قديم في حياة الأمة من زمن بني أمية ، وأن الاستبداد العثماني لم يكن بدء الانحراف ، وإنما كان مجرد امتداد تاريخي له .. ولكن الواجب يظل واجبا مهما فرطت فيه الأمة ، ولايسقط بالتقادم مهما طال عليه العهد .. والإصلاح الواجب يظل هو هو لا يتغير .. ينتظر العالم الرباني المجدد المجاهد ، الذي يأخذ على عاتقه إعادة الأمة إلى الأصل الذي انحرفت عنه ، ولو ضحى في سبيل ذلك بحياته كما فعل أكثر من عالم من علماء الإسلام خلال التاريخ .
ولكن العلاج الذي اتخذته الأمة - في التيه - كان مخالفا تماما لهذا الأمر ..
كان العلاج الذي اتخذته هو تنحية الشريعة الإسلامية ، واستجلاب"الدساتير"من الغرب ، من أجل إقامة"دولة حديثة"كالدول الأوربية الحديثة !
ما أبعد المدى بين الطريقين !
لم تدرك الأمة - في التيه - أبعاد القضية على حقيقتها ..
لم يكن الخطأ في حياة الأمة الإسلامية ناشئا من الشريعة ، حتى يكون العلاج هو إلغاء الشريعة ! إنما كان ناشئا من عدم تمسك الأمة بالحقوق التي كفلتها لها الشريعة الربانية .. وعلاج ذلك لا يكون باستيراد أحد النظم الأوربية ومحاولة تطبيقه . فسوف نرى أن استيراد النظم الأوربية لم يحل مشكلة واحدة من مشاكل المسلمين !
لقد كانت مشكلة أوربا في قرونها الوسطى المظلمة نائشة من الحكم"الثيوقراطي"، أي حكم رجال الدين ، الذين استبدوا بالناس نتيجة تسلطهم الروحي على الناس في ذلك الدين الفاسد ، الذي انقلب كهّانه إلى وسطاء بين العبد والرب ، بسبب تحريف العقيدة ، وإضفاء القداسة على من لا تجوز لهم القداسة من البشر ، وتنحية الشريعة كذلك ، وتقديم الدين عقيدة - محرَّفة - بغير شريعة !