وأخذت بدلا من ذلك ما في حياة الغرب من فساد ! فتراكم الفساد عندها أضعافا مضاعفة ! فلا هي عالجت أمراضها التي ورثتها من فترة التخلف العقدي ، الذي أنشأ من قبل التخلف الحربي والسياسي والعلمي والمادي ..إلخ ، وأضافت أمراضا جديدة دخيلة على البيئة الإسلامية ، من تحلل خلقي ، وخمر وميسر ولهو وتبجح بالمعاصي الكبائر ..
كذلك لم تدرك الأمة - وهي في التيه - مدى الفارق بين العلاج الذي كان يجب أن تتخذه إزاء مظالم الحكم العثماني ، والعلاج البديل الذي قدمه لها الغرب ..
لقد كان الخطأ في الحكم العثماني هو الاستبداد السياسي .. وكان العلاج الذي يجب أن يقدّم للأمة هو التربية على الروح الإسلامية الصحيحة في السياسة ، وهي السمع والطاعة للحاكم فيما يطيع فيه الحاكمُ الله ورسوله ، ومراقبة الأمة لأعمال الحاكم حتى ينضبط في تصرفاته بضوابط الشريعة . كما يتبين في ذلك المثال الفذ ، حين وقف عمر رضي الله عنه يخطب الناس فيقول: أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا ، فيقول له سلمان الفارسي رضي الله عنه: لاسمع لك اليوم علينا ولاطاعة ! فيقول عمر: ولمه ؟ فيقول: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ، وأنت رجل طوال لايكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين ! فلما تبين لسلمان أن البرد الزائد هو برد عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، أعطاه لأبيه ليكمل به كسوته ، قال لعمر: الآن مر ! نسمع ونطع !
وصحيح أن الأمة قد فرطت في حقها الرباني في مراقبة أعمال الحاكم ، والنصح له ، وأطره على الحق أطرا كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا" (1)
(1) رواه أبو داود والترمذي.