ولكن القضية لا تنتهي مع المؤرخ المسلم عند هذا الحد .
فهناك قضية أخرى لا تقل عنها أهمية ، ولا تقل عنها خفاء كذلك في حس الذين يحصرون رؤيتهم في الأسباب الظاهرة ولا يتعمقون وراءها إلى السبب الحقيقي .
وقعت الهزيمة العسكرية فتلتها في نفوس المسلمين هزيمة روحية ، هي الاولى بالنسبة لهم في التاريخ .
وقد قلنا في أكثر من كتاب (1) إن الهزيمة العسكرية وحدها لم تكن لتحدث في نفوس المسلمين ذلك الأثر الهائل الذي أحدثته في المرة الأخيرة حين انهزمت جيوش المسلمين أمام الغرب .
حقيقة إن المسلمين فوجئوا مفاجأة حادة - بعد الهزيمة - بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب الذي هزمهم ، في العلم وفي"التكنولوجيا"وفي التقدم المادي والحضاري .. وأن هذا كان له أثره في الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين.
ولكن الهزيمة العسكرية وحدها ، وإدراك المسلمين للفارق الهائل بينهم وبين أعدائهم في الأسباب المادية ، لم يكونا ليحدثا هذا التحول الهائل الذي حدث في حياة المسلمين ، لولا الخواء الروحي والعقدي الذي كان في حياتهم قبل وقوع الصدام .
وقعت الهزيمة العسكرية من قبل فلم تغير شيئا في تصورات المسسلمين وأفكارهم وسلوكهم وعقائدهم ..
وقعت أول هزيمة يوم أحد فأنزل الله قوله تعالى: ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (2) . وكانوا مؤمنين بالفعل ، فوعوا الدرس ، وأفافوا من هزيمتهم ، وعلموا أنهم الأعلون بإيمانهم مهما حدث لهم من هزيمة مؤقتة أمام عدوهم . فلم يهنوا بعد ذلك في مواجهتين عظيمتين خطيرتين وقعتا بينهم وبين التتار مرة ، وبينهم وبين الصليبيين مرة . وقد كانت الهزيمة أمام التتار ساحقة ..
(1) انظر على سبيل المثال كتاب"واقعنا المعاصر".
(2) سورة آل عمران: 139.